مقال من مجلة العصر
من النظريات التي يتداولها الجميع، إسلاميون وغيرهم، ما يسمى بالسلام العالمي، أي خلو المجتمع الدولي من الحروب، أو على الأقل من الحروب العالمية أو الكبيرة، والمؤلم في الأمر أن الجميع، سيما الإسلاميين، يغضون الطرف عما ذكرناه قبل قليل، ويعتبر أحد أهم معايير اختبار صلاحية الأفكار والرؤى، والأطروحات الفلسفية؛ التاريخ البشري، حيث لم تخل فترة من فتراته دون صراعات عنيفة ودامية بين الأمم !!...
دعونا في البدء نسلك النمط العلماني الذي يجرد التنظير عن المصدر الحقيقي للمعرفة؛ الوحي، فنعمد أولا إلى تناول هذه القضية بصورة مجردة عن الوحي، لكنها مخالفة وبصورة جذرية للنمط الليبرالي الذي يصف ما يحلم به دون أن يبرهن على إمكانية وقوعه، فضلا عن طريقة الوصول إليه، ثم بعد ذلك نسلك مسلك الوحي في تناول هذه القضية...
هل السلام العالمي ممكن عقلا أم غير ممكن؟
ماذا نقصد بالسلام العالمي؟ نقصد به أن تعيش الدول الكبرى مع بعضها البعض في حالة وئام، أو سلام، أو على الأقل في حالة اللاحرب ...
باختصار، وبنظر عقلي مجرد، وبدون كثير من البحث الفلسفي أو الليبرالي، يقال: إما أن تكون الأهداف الكبرى الإستراتيجية للدول الكبرى متفقة، أو تكون مختلفة متناقضة.
فإن كانت متفقة، فلا شك أنها لا تكون دولا متعددة، وإنما تشكل في الحقيقة دولة واحدة كبرى، وإن اتخذت صور الدول المتعددة، وربما نقول إنها صورة من صور الفيدرالية المعدلة، وما حال الوئام السياسي والإستراتيجي ـ على الأقل فيما يتعلق بالعلاقة مع العالم الإسلامي- بين الولايات المتحدة الأمريكية ومعظم الدول الأوروبية، وهي التي يمكن أن تمثل قوة منافسة، إلا مثالا على ذلك.
وإن كانت متناقضة، فلا بد لكل واحدة منها والحال كذلك، أن تحصل على ما تريد بصرف النظر عن الآخرين، والغالب أنّ الأهداف الإستراتيجية، وما تحاول الدول الكبرى الاستئثار به، يكون دائمًا واحدا لا يمكن أن يتوزع على أكثر من قوة...
فمثلا النفط، مع أنه يمكن أن يتوزع على أكثر من قوة، إلا أن كل قوة تريد أن تستأثر بنصيب الأسد، وتحصل على ما يمنع القوى الأخرى من منافستها في موازين القوى العالمية ...وهذا واضح في محاولة السيطرة على منابع النفط.
مثال آخر: القوة النووية، فقد كان العالم يعيش تسابقًا محمومًا في التسلح النووي، ثم أجريت معاهدات وقف ذلك التسابق، وحصل هذا ظاهريا، لكنه في حقيقة الأمر توقف عندما شعرت القوى الكبرى بأن هناك شبه اتفاق بينها في الأهداف التي ستستخدم من أجلها تلك القوى النووية، فكفت عن بعضها، وتوجهت بالنقد والاتهام لغيرها من القوى الصاعدة التي يمكن أن تتناقض معها في الأهداف ...لسنا في معرض مناقشة هذا المثال، فلا نريد أن ينصرف ذهن القارئ إلى مناقشته، فأمر ذلك يطول ...
لقد أدرك هذه "الحقيقة" المنطقية العقلية عدد من الفلاسفة الغربيين، فهذا الفيلسوف الإنجليزي الشهير ثوماس هوب (1588-1679) يصرح في أحد أشهر أعماله The Leviathan بما يتفق تماما مع هذا النظر العقلي، فيقول: (إذا طلب رجلان شيئًا واحدًا لا يمكن لكليهما الاستمتاع به والحصول عليه في آن واحد، فسينتهي بهم الحال إلى أن يصبحوا أعداء، ويرغب كل منهما في تدمير الآخر)، ويقول أيضًا بعبارة أوضح: ( في بعض الأوقات، إذا عاش الناس بدون قوة مشتركة تحكمهم ليعيشوا في انتظام، فإنه سينتهي بهم الحال إلى حال تعرف بالحرب، وهي حال يكون فيها الرجل ضد الرجل، وسينعدم في هذه الحال التطور، والصناعة، والعلم، ...وستكون هناك حالة من الموت الناتج عن عنف، وحالة من الألم والخوف ...).
نعم، إنها قضية منطقية وواقعية، لا يمكن أن يكون ثمة سلام عالمي في حال تعدد الأقطاب، ولا يمكن أن يتحقق هذا السلام إلا في حالة أحادية القوة، أو القطب الواحد ...
وهنا يبرز السؤال الآخر هو موضوع مقال لاحق بمشية الله تبارك وتعالى: ولكن ما هي تلك القوة؟ كما نعلم فإن بعض المنتسبين إلى التيار العلماني يحلوا لهم الإجابة عليه بقولهم: إن أفضل تلك القوى التي نرشحها لحكم العالم هي القوة العلمانية التي تجرد أسس الحكم من أي تأثير ديني "ثيوقراطي"، وحجتهم في ذلك أن تعدد الأديان والثقافات يحيل تصور حكم عادل ينتمي إلى أحد هذه الأديان، فلا بد من عزل الدين بالكلية عن جوهر العملية السياسية..
وبكل حال، فلا بد لنا من أن نحرر هذه القضية التي نحن بصددها، وهي السلام العالمي، وهل يمكن تحققه في واقعنا، أي والحال أن كل دولة تطمح لأن تكون هي القوة العظمى، فإن ربنا، وهو الحق، ولا حق غيره، حدثنا عن تلك القضية المنطقية أولا، فقال: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ) سورة المؤمنون:91، وفي موطن آخر (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ) الأنبياء: . إذًا تعدد القوى العظمى غير ممكن أبدًا، هذا أولا - ولا يظن ظان أن هذا في حالة لا تتجاوز فرضية تعدد الآلهة، فلا تشمل الحالة البشرية، بل هي في حالة في الخلق كله وهي سنة كونية، خلق الله الكون عليها، قال الله جل وعلا: (كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى)، فكل قوة ستطغى ـ أي تجاوز الحد ـ إذا لم تكن تؤمن بحاجتها إلى غيرها، واكتفائها بما أوتيت من قوة وسطوة، وهذا يعني أن كل قوة ستحاول ذلك، فإذا ما وجدت من ينافسها فإما أن يتفقا، وهذا ما أشرنا إليه آنفا أو يختلفا، فعندئذ لا بد أن يعلوا بعضهم على بعض!
وفي موطن آخر يقول البارى جل وعلا (وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) سورة البقرة، آية {251} ويقول أيضا (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) الحج، {40} ...والآيات في هذا المعنى أكثر من أن تحصيها مقالة.
وعليه فإن الحديث عن السلام العالمي من تلك الوجهة، مجرد إضاعة للوقت، لأنه حديث عن قضية لا يمكن أن تتحقق لمخالفتها العقل والواقع، ومن ثمّ فإن واجب العقلاء أن يبحثوا عن بديل لها