مصر
بعد ضرب معلمة بالشباشب وصفع أخري من طالبة:
التعـليم بـدون تربيـة!
تحقيق:أمـل إبراهـيم سعد
هل مضي زمن قف للمعلم وفه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا وجاء بدلا منه زمن اصفع المدرس واجعل أهلك يوسعونة ضربا فالإدارة نائمة عنه والخلق غائب وإلا فماذا يعني أن يلتف أولياء أمور علي معلمة ويوسعونها ضربا بالشباشب داخل المدرسة.. وماذا يعني ان تصفع طالبة معلمة أخري علي وجهها فتصاب المعلمة بالشلل لأنها لاتصدق ماحدث لها. ماذا يعني اعتداء طالب علي معلمه بالضرب أمام الجميع وتوعده للمعلم بأن ينتظره ليكمل المهزلة خارج باب المدرسة؟! ماذا يعني هذا إلا أننا نهبط بالعملية التعلمية الي الحضيض ونعتبر الحرم المدرسي مجرد فناء للمصارعة الحرة. إذا علمنا ان احدي نيابات التعليم حققت في319 قضية خلال العام الماضي فقط بالاضافة الي170 قضية متبقية من سنوات سابقة أدركنا حجم المشكلة.
ومايهمنا هنا ان نتناوله هو أن تلك النوعية من القضايا المتعلقة بالمخالفات الأخلاقية والسلوكية كثيرة ومتعددة منها تحرش ثلاث تلاميذ بالثانوي علي سبيل المثال بمدرستهم.. وكذلك الاعتداءات الصارخة التي تتم بين المدرسين والمدرسات والادارة علي مختلف أنواعها بألفاظ نابية وغير لائقة علي مرأي ومسمع من التلاميذ والتلميذات بما يخرج تماما عن مفهوم التربية والتعليم بل ان بعض هذه القضايا كان عبارة عن ضرب مدرسات مديرة المدرسة في مكتبها.
من المؤكد بالفعل ان هذه الاخلاقيات والممارسات لم تتحول الي ظاهرة.. ولكن ذلك لايعني انها لاتستحق البحث والدراسة والتحليل.
تحقيقات الأهرام قامت بجولة ميدانية في بعض المدارس فاكتشفنا الأسباب المؤسفة يقول نادر عبدالسلام طالب بالصف الثاني الثانوي باحدي المدارس الحكومية نحن نلعب الكرة في فناء المدرسة طوال اليوم الدراسي ولانأتي بأية شنط أو كتب مدرسية علي الإطلاق.. فقط نأتي بالملزمة الخاصة بحل واجبات الدروس الخصوصية ونادرا مانصعد الي الفصول ولانجد أية اهمية علي الاطلاق للاستماع الي شرح من المعلمين فيكفي تماما مانحصله من الدروس الخصوصية.. مدير المدرسة يجلس في مكتبه وقد اغلق بابه ليكون في شبه عزلة كاملة عما يجري في المدرسة ولانكاد نراه إلا حينما يمر علي الفصول للتنبيه علينا بضرورة ارتداء قميص المدرسة نظرا لوجود موجهين ومفتشين من الوزارة.. ونحن نأخذ احتياطاتنا ونأتي به يوميا تحسبا لأي طوارئ من هذا النوع!! وكثيرا مايترامي الي اسماعنا آصوات الشجار بين المعلمين بسبب الاتهامات المتبادلة بينهم بسرقة الطلاب الذين يحصلون علي الدروس الخصوصية من بعضهم.. كريم عادل طالب بالصف الثالث الإعدادي باحدي المدارس الخاصة يقول مشكلتنا: الاساسية هي الالتزام بنسبة الحضور في المدرسة.
المدرسة لم تعد امتدادا للمنزل علي الاطلاق.. هكذا أجمع آولياء الامور تقول شريفة كمال لم يعد هناك ادني اهتمام بالتربية أو بالتعليم والاستثمار أصبح هو الساند ومن هنا فليس من الامور المستغربة ان نجد سلوكيات مستحدثة دخيلة علي الحرم المدرسي الا اننا الان مطالبون بتوعية ابنائنا الصغار حتي في المرحلة الابتدائية بضرورة توخي الحذر من أي افعال غير طبيعية سواء من الزملاء او المعلمين.. وذلك في ظل غياب مؤكد للإشراف الفعلي علي السلوكيات ومراقبتها في المدرسة وأتساءل اين هي حصص السلوك التي كنا نتلقاها في المدرسة من قبل؟
حامد عبدالله ولي أمر يتساءل بدوره هل كثافة الفصول الزائدة عن الحد سبب في شيوع بعض هذه السلوكيات اللا آخلاقية في بعض المدارس ؟ ويؤكد ان كثافة الفصل في المدرسة الابتدائية في مدينة6 أكتوبر التي التحق بها ابنه وصلت إلي103 تلاميذ في الفصل!! ومن الطبيعي إذن أن تكون الرقابة مستحيلة.
للمعلمين كلمة
سيمون داود مدرس رياضيات يري أن نسبة كبيرة للغاية من المعلمين لا يؤدون دورهم التربوي علي الإطلاق لأنهم ليسوا خريجي كليات التربية ولا يعلمون شيئا عن آليات هذا الدور.. فقديما كان يتم الاعتماد بشكل أساسي علي المنهج الخفي في التربية وهو يعني أن يتعلم الطالب السلوكيات من معلمه دون أن يعلمها له بشكل مباشر فهو يراقبه ويتعلم منه عن طريق الملاحظة.
سوف يستمر الحال علي ما هو عليه مادام الطالب وولي الأمر يتعاملان مع المدرس والعملية التعليمية برمتها كسلعة كما يقول محمد رمضان مدرس دراسات اجتماعية ولعل السبب في ذلك هو الدروس الخصوصية التي فقد بسببها المعلم الكثير من هيبته.. ولا شك أن للإدارة المدرسية دورا بارزا في حدوث انفلات في المدارس ويكفي أن نشير إلي أن بعض مديري المدارس يقومون بالسماح للمدرسين باستخدام الفصول كمراكز للدروس الخصوصية خلال الفترة المسائية مقابل مناصفة الأجور معهم!!
الإتاحة والجودة!
د.شريف عمر رئيس لجنة التعليم بمجلس الشعب يؤكد حقيقة واقعة وهي أن المدرسة الآن في كثير من الأحيان لم تعد هي المؤسسة القادرة علي المشاركة في العملية التربوية.. للدرجة التي يشعر بها ولي الأمر أن نزول ابنه إلي المدرسة هو نوع من المخاطرة وبالتالي يجب متابعته ومراقبته باستمرار بسبب شيوع حالة من الفوضي والأخلاقيات السلبية وليس أدل علي ذلك من أنه أثناء زيارته إلي إحدي المدارس النموذجية سمع صياحا وأصواتا عالية من الطلبة فظن أنهم في الفسحة إلا أن مدير المدرسة أخبره أن الفسحة قد انتهت والطلبة الآن في فصولهم!! وبمقارنة سريعة بالعهود الماضية فقد كان الطلبة يخشون من مجرد المرور أمام شباك حجرة ناظر المدرسة!! ولا شك أن تكدس الطلاب بأعداد غفيرة داخل الفصل الواحد أهم أسباب المشكلة التي تؤدي إلي شيوع حالة من الفوضي وعدم القدرة علي السيطرة علي مقاليد الأمور.. والحل هو زيادة عدد المدارس للقضاء علي هذه المشكلة كخطوة أولي للإصلاح فيتحول ما تقدمه الحكومة للعملية التعليمية من مجرد الاتاحة إلي الاتاحة والجودة معا.
د.فاروق إسماعيل رئيس لجنة التعليم والبحث العلمي بمجلس الشوري يشير إلي أن مثل هذه السلوكيات اللاأخلاقية كانت موجودة بالفعل طوال السنوات الماضية ولكن معظمها كان في طي السرية والتكتم الشديد نظرا لندرتها وصعوبة اكتشافها.. وعلي الرغم من أنها بدأت تطفو علي السطح إلا أنها لم تتحول إلي ظاهرة ولكن ينبغي دراستها علي عدة محاور أولها أن الاختلاط فيما بين البنين والبنات في المدارس خلال المرحلة الثانوية وما قبلها أمر لابد من إعادة النظر فيه نظرا لخطورة هذه المرحلة العمرية.
المحور الثاني يتمثل في أن المعلم قد سقط من حسابات المجتمع المصري طوال الـ30 سنة الماضية ولم يحصل علي حقوقه المادية التي تضمن له تلبية احتياجاته وبالتالي فقد أخذ يتسابق مع زملائه إلي الدروس الخصوصية لتعويضه عن تلك الحقوق الضائعة وفي هذا السياق أغفل دوره التربوي.
ويرتبط المحور الثالث بما سبق ـ كما يضيف د.فاروق إسماعيل ـ حيث يتمثل في دور وزارة التربية والتعليم في القضاء علي ماراثون الثانوية العامة والصراع العنيف للالتحاق بكليات القمة وفي خضم هذا الصراع فإن بعض القيم تسقط في الطريق وتكون النتيجة هي التضحية بجيل أو أجيال متتالية.
د. أحمد اسماعيل حجي استاذ التربية بجامعة حلوان ومدير مشروع تطوير كليات التربية يري أن ما يحدث بمثابة ناقوس خطر لسلوكيات نخشي انتشارها داخل مؤسساتنا التعليمية التي يجب أن يدرك معظمها أنه افتقد الثقة وعليها بذل جهود ضخمة لاستعادتها خاصة أن معظمها يعاني فراغا تعليميا بمعني أنها لا تؤدي دورها التعليمي الأصلي المنوط بها.. كما أن المؤسسة التربوية تم اختراقها ويكفي أن نشير إلي أن أكثر من60% من المعلمين في المدارس ليسوا تربويين بمعني أنهم ليسوا خريجي كليات التربية وتلك هي أساس المشكلة وهو ما دعا بعض أعضاء مجلس الشعب إلي طلب عدم تعيين معلمين إلا من خريجي كليات التربية لأنهم المؤهلون لتحمل مسئوليات هذه المهمة التربوية الصعبة ومن ناحية أخري فهناك ضرورة ملحة لتفعيل دور مجالس الأمناء والآباء والمعلمين بالمدارس.. وفي نفس الوقت لا ينبغي ألا نغفل أهمية الرقابة المركزية المتمثلة في لجان المتابعة التي تزور المدارس وأهمية تطبيق سياسة الضرب بيد من حديد علي أي طرف مخطيء سواء المعلم أو الطالب أو الإدارة المدرسية وتطبيق هذه السياسة بمنتهي الحزم
د. رسمي عبدالملك أستاذ الإدارة والتخطيط التربوي وعميد شعبة التخطيط التربوي السابق بالمركز القومي للبحوث التربوية يحدد جذور المشكلة علي عدة مستويات فالدروس الخصوصية علي الرغم من أن هناك اجماعا علي أنها تفرغ مجانية التعليم من مضمونها إلا أنها منذ الثمانينيات وحتي الآن تعد شبه مشروعة وهي تجعل المعلم يلهث وراء الطالب وليس العكس.
ومن ناحية أخري هناك وظائف ليست مفعلة علي الإطلاق في المدارس بل وتكاد تكون غائبة منها وكيل المدرسة للأنشطة التربوية وهو الشخص المسئول عن كل ما هو خارج المنهج الدراسي كالأنشطة الثقافية والاجتماعية والرياضية التي من شأنها أن تكون وسيلة لتعديل السلوك واكساب الطلاب المهارات الحياتية اللازمة لهم.. وهذه الوظيفة تكاد تكون غائبة عن مدارسنا وان وجدت فهي غير مفعلة.. وكذلك فهناك مشكلة تتعلق بمديري المدارس أنفسهم فهناك عدد كبير من المدارس يتم تعيينهم فيها وفقا للأقدمية المطلقة وليس للكفاءة.. وهو الأمر الذي يتنافي تماما ـ فيما بعد ـ مع تطبيق آليات هيئة ضمان الجودة والاعتماد في المدارس..
غياب المرشد النفسي
وللصحة النفسية دور في القضية المطروحة وهو ما يعبر عنه أ. د حامد زهران أستاذ الصحة النفسية بكلية التربية جامعة عين شمس قائلا إن مهمة المدرسة الأصلية هي تقديم الرعاية التربوية والنفسية إلي كل الجوانب في شخصية الطالب مع مراعاة الفروق الفردية بين الطلاب ولن يتم ذلك إلا بتوافر وتكامل الطاقم المسئول عن ذلك وهو المعلم والإدارة المدرسية السليمة والمرشد النفسي.. وفي حقيقة الأمر أن هذا الضلع الثالث غائب تماما عن مدارسنا فعلي الرغم من أن كليات التربية تقوم بتخريج الآلاف سنويا ومنهم المئات في شعبة الإرشاد النفسي وهناك أيضا الحاصلون علي الدبلومة المهنية من هذه الشعبة ومنهم حملة الماجستير والدكتوراه في هذا التخصص.. إلا أنهم حينما يذهبون إلي المدارس للعمل بها لا يجدون لهم وظيفة علي الإطلاق!!