بقلم / أحمد عبد الرحيم السايح
الزواج في شريعة الإسلام : ميثاق غليظ ، وعهد متين . ربط الله به بين رجل و امرأة ، وأصبح كلاهما زوجا بعد أن كان فرداً قال تعالى في سورة النساء وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً ) (النساء : 21) والذي يتتبع كلمة ( ميثاق ) ومواضعها التي وردت فيها لا يكاد يجدها تأخذ مكانته في التعبير القرآني إلا حيث يأمر الله بعبادته وتوحيده والأخذ بشرائعه وأحكامه . ويستطيع - وقد جاءت في شأن الزواج - أن يدرك المكانة السامية وضع الله الزواج فيها ، وجعله في التعبير عنه ، صنوا للإيمان بالله وبشرائعه .
ميثاق أصل ، أقيم على ركائز من التعارف والمودة والرحمة والصيانة والعفة .. وهذا هو الزواج الإنساني ، في وجهه الصحيح ممن جهة الأفراد ، ومن جهة المجتمع . فمن جهة الأفراد سكن نفساني ، ومن جهة المجتمع واجب اجتماعي ، وسبيل مودة ورحمة بين الرجال والنساء . وفضيلة هذه العلاقة بين الرجال والنساء ، أنها : علاقة سكن تستريح فيها النفوس إلى النفوس ، تتصل بها المودة والرحمة والمشاركة القلبية والوجدانية ومن ثم يراد بالزواج : تهذيب النفس الإنسانية ، واستزادة ثروتها من الرحم والرحمة ، ومن العطف والسمو ، ومساجلة الشعور بين الجنسين ، بما ركب فيهما من تنوع الإحساس ونوع العاطفة وتنوع القدرة على الحب والإيناس .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله عز وجل خيرا له من زوجة صالحة ، إن أمرها أطاعته وإن نظر إليها سرته ، وإن أقسم عليها أبرته وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله " .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أربع من أعطيهن فقد أعطى خير الدنيا والآخرة : قلب شاكر ولسان ذاكر ، وبدن على البلاء صابر ، وزوجة لا تبغيه حويا في نفسها وماله " .
وعن أبي هريرة - رضى الله عنه - قال : قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أي النساء خير ؟ قال : " التي تسره إذا نظر وتطيعه إذا أمر ، ولا تخالفه في نفسها ، ولا ماله بما يكره " . فمن هذه النصوص العظيمة نرى أن مفاهيم الزواج في الإسلام لا تدانيها مفاهيم في إقامة الأسرة وتدعيم بنيانها .. فليس الزواج في الإسلام ، علاقة جسدية وليس الزواج في الإسلام صفقة تجارية . وليس الزواج في الإسلام جواز مرور يحمله الإنسان حين يروم إرضاء ما به . وليس الزواج في الإسلام علاقة تلجئ إليها الضرورة الوقتية . وإنما الزواج في الإسلام علاقة إنسانية دائمة تلتقي فيها إنسانية إنسان بإنسانية إنسانة . علاقة بشرية تجمع بين النفسية والجسدية ، لتتوائم مع طبيعة الإنسان ويشير إلى هذا القرآن الكريم ، دستور الأمة الإسلامية في قوله تعالى في سورة الروم : ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) (الروم : 21) .
فالله سبحانه وتعالى يرشد الإنسانية إلى ما فيه سعادتها في الحياة .. فيضع لها أركان الحياة الزوجية في آية( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا ) (الروم : 21) .
والركن الأول : السكون النفسي ، وهذا الركن خاص بالزوج والزوجة وهو تعبير بليغ عن شعور الاطمئنان والأمن والراحة والصفاء .
والركن الثاني : المودة ، والتي يظهر أثرها في التعامل والتعاون وهو المشترك بين الزوجين وأسرة كل منهما .
والركن الثالث : الرحمة التي لا تكمل للإنسان ، إلا بعواطف الأمومة والأبوة ورحمتهما لأولادهما فيكون لكل البشر ، أو الأحياء حظ من هذه الرحمة الكاملة ، وتستقر العاطفة في بيت الأسرة ، ويتم سكون كل من الزوجين إلى الآخر إذا تبادلا معا ما يعين على هذا السكون حيث يعامل الزوج زوجته بالحسنى ويعاشرها بالمعروف ، وتعاونه هي على أمور الحياة ، وتتوافق معه في رأيه ، وتراقبه في غيبته ، وتدفعه إلى صالح الأعمال ، وتحقيق الآمال ولهذه الركائز ، راعى الإسلام أن تقوم العلاقة الزوجية منذ البداية على الرضا والاختيار .
وخوفا من اختلال واحدة من ركائز المودة والسكن ، يوجه الله سبحانه وتعالى المؤمنين الوجهة الصحيحة التي فيها السعادة الزوجية . فيقول تعالى في سورة النساء وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً) (النساء : 19) .
ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يفرك مؤمن مؤمنة إن أبغض منها خلقا رضى لها آخر " .
حياطة قوية ، ووقاية سليمة حتى تمضي ريح بيت الزوجية رخاء لينة وفي هذا الجو ، يتمتع الزوجان بحياة سعيدة ، ويعملان معاً من أجل الحياة والوصول إلى ذروة ما قدر لهما ولمجتمعهما من الخير والنجاح .
وهذه هي الحياة التي نسجت بخيوطها بعد بحث وتعرف ودراسة وخطبة ومهر وزفاف وإعلان . ليس من اليسير على الشريعة الإسلامية أن تتهاون فيها أو تتساهل في نقضها ، وفصم عراها ، لأدنى مناسبة أو هي سبب يدعيه الرجل أو تزعمه المرأة ، ولكن النفوس البشرية ، عرضة للتقلب ، ولمظاهر الحياة أو لانحراف القلوب نزعات تحاول أن تغير من عواطف الحب والرحمة والسكن وتقطع ما يكون من صلات .
ومن هنا حذر الإسلام : مسايرة النزعة الطارئة وأرشد إلى محاربتها ، وعدم التأثر بها ، بل شكك في وجدانها والشعور بها . وفي ذلك يقول الله تعالى في سورة النساء وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً) (النساء : 19) .
أمر بالمعاشرة الطيبة التي يقرها العرف النابع من الكرامة الإنسانية ، ثم تشكيك فيما يتقرب إلى القلب من بواعث الكراهة والبغض ( فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ )(النساء : 19) ثم عده الخير الكثير على مكافحة تلك البواعث التي تحاول بنزعات الخواطر النادرة أن تنفذ إلى القلوب ( فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ) (النساء : 19) .
لم يقف الإسلام في علاج نزعات الكراهة بين الزوجين عند هذا الحد الذي وجه إليه نظر الأزواج ، وإنما قدر أيضاً أن تمتد هذه النزعات إلى قلب المرأة فتحملها إلى النشوز .
وهنا أرشد الإسلام إلى أن النساء منهن صالحات شأنهن القنوت والطاعة لله فيما أمر الله من القيام بحقوق الزوجية وهذا الصنف من النساء ليس للأزواج عليهن من سلطان قال تعالى في سورة النساء فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ) (النساء : 34) أما غيرهن - وهن اللائى يحاولن الخروج على حقوق الزوجية ويعرضنها للتدهور والانحلال . فقد دعا القرآن الكريم لإصلاحهن ويردهن إلى مكانتهن الطبيعية ، وذلك عن طريق الإصلاح والتأديب .
وهذا الطريق الإصلاحي الداخلي علاج قد تصل به إلى الهدف المنشود دون أن يتسمع الناس ودون أن تعرف المساوئ .
قال الله تعالى : ( وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي المَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً ) (النساء : 34) .
أولاً : وعظ وإرشاد وحكمة ، لأن كثيراً من النساء ، من يؤثر فيهن هذا اللون من الأدب قال الإمام محمد عبده في تفسير قول الله تعالى وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ )(النساء : 34) قال والوعظ يختلف باختلاف حال المرأة فمنهن من يؤثر في نفسها التخويف من الله وعقابه على النشوز .
ومنهن من يؤثر في نفسها التهديد والتحذير من سوء العاقبة في الدنيا كشماتة الأعداء والمنع من بعض الرغائب كالثياب الحسنة والحلى . والرجل العاقل لا يخفي عليه الوعظ الذي يؤثر في قلب امرأته . فالتي يكفيها الوعظ بالقول لا يتخذ معها سواه . فإن أفاد أسلوب الحكمة والتريث وتفتحت عينا المرأة ، وتنبهت لخطر الشقاق والخصام ، كان ذلك أدعى إلى عودة الأمور إلى طبيعتها .
وإن لم يجد هذا الأسلوب ، لجأ الزوج إلى وسيلة أخرى . قد تكون أجدى نفعا وأبعد أثراً .
ثانيا : الإعراض عنها في فراشها وقد يكون لهذا النوع من العلاج نتائج رائعة فقد تأنى على المرأة عوامل الندم وتصلح ما أفسدت .
والهجرة في المضاجع علاج نفسي بالغ وليس عقوبة حسية تؤلم المرأة لما يفوتها من سرور ومتعة . فإن فوات السرور والمتعة أياما لا يؤلم المرأة هذا الإيلام الذي يجعل الهجر في المضاجع من أصعب العقوبات .
ويقول الأستاذ رشيد رضا : أما الهجر فهو ضرب من ضروب التأديب لمن تحب زوجها ، ويشق عليها هجره إياها ، ولا يتحقق هذه بهجر المضجع نفسه ، ولا بهجر الحجرة التي يكون فيها الاضطجاع وإنما يتحقق بهجر الفراش نفسه .
وفي الهجر في المضجع نفسه معنى لا يتحقق بهجر المضجع أو البيت الذي هو فيه فإذا هجر الرجل المرأة وأعرض عنها ، رجى أن يدعوها ذلك الشعور إلى سؤاله عن السبب ، ويهبط بها من نشز المخالفة إلى ضعف الموافقة .
ثالثاً : و إن لم يجد أسلوب الهجر لجأ الزوج إلى ملجأ أخر و هو الضرب لقوله : (وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِياًّ كَبِيراً ) (النساء : 34) والضرب أمر صعب يلجأ إليه الزوج في حالات صعبة كما يلجأ الطبيب إلى الدواء المر في علاج المريض . أبقاء على صحته ، والتماسا لعافيته .
والضرب مر لأن أشد مرارة منه لدى المرأة هدم صرح الأسرة ، وتقويض دعائم بنائها .
وغاية ما يفهم من ذكر الضرب أن بعض النساء يتأدبن به ولا يتأدبن بغيره وأنه لمن السخف الرخيص أن يقال أن جنس النساء قد برئ من المرأة التي يصلحها الضرب ولا يصلحها غيره .
وجملة القول أن هذه الوسائل تستنفذ كل حيلة في الوسع للإبقاء على صلة الزواج وإرتقاء الفرقة بين الزوجين ، فعلى الرجل أن يغالب كراهيته للمرأة إذا تحول قلبه عنها( فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ) (النساء : 19) وعليه أن يجرب النصيحة والهجر والتأديب فإن أفلحت هذه الوسائل التي تنحصر بين الزوج وزوجته بقيت الصلة ودامت المودة والألفة .
وإن لم تفد هذه الوسائل وتفاقم الشر واشتد الخلاف ، ولم يجد أحدهما سبيلاً لإصلاح ما بينهما ودعت الحاجة إلى الاستعانة بمن يرأب الصدع ويرتق الفتق . وذلك بحكم من أهل الزوج وحكم من أهل الزوجة .
وعلى هذا جاءت الآية الكريمة ترسم العلاج في حالة التفاقم وشدة الخلاف ، وعجز الزوجين بأنفسهما عن إزالته ( وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً ) (النساء : 35) .
يتوخى الحكمان في ذلك النية الصادقة والإخلاص لإزالة الخصام وتخفيف حدة التوتر .
فإن استعصى الصلح و ساءت الشعرة و اتسع الصدع ، و ضاق الخناق واستحكمت حلقات الأزمة وأصبح من العسير ، عودة المياه إلى مجاريها . فليس هناك إلا التسريح بإحسان قال تعالى : ( الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ )(البقرة : 229) وقال تعالى : ( وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ ) (النساء : 130) .
وهذا هو الخلاص من جو الكراهية المشبع بالحقد والبغض والنفرة . وقد أباح الله الطلاق بطريق أدبي ، يوحى إلى المرأة والرجل باستئناف النظر فيما حدث وعودة الأمور إلى الطريق الطبيعي .
المصدر :: ياله من دين
التوقيع
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]