
23-Aug-2007, 12:10 AM
|
|
| مشرف التعليم واللغات
قلب المنتدى
|
رقم العضوية : 632
تاريخ التسجيل : Jul 2007 الدولة : tunisie السن : 43
المشاركات : 2,022
بمعدل : 4.97 يوميا
معدل تقييم المستوى : 17 |
| المنتدى :
مملكة علوم الشريعة الإسلامية علاقة المسلم بغير المسلم علاقة المسلم بغير المسلم
أيها السادة الأحبار والضيوف: إن الإسلام يعتبر البشرية كلها أسرة واحدة، تشترك في العبودية لله، والبنوة لآدم، وهذا ما أعلنه رسول الإسلام أمام الجموع الحاشدة في حجة الوداع "أيها الناس إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى" (1).
ثم إن الإسلام قد حدد العلاقة مع غير المسلمين في آيتين محكمتين من كتاب الله، تعتبران بمثابة الدستور في ذلك، يقول تعالى (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين. إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون) الممتحنة: 8-9.
وهاتان الآيتان نزلتا في شأن المشركين، ولكن الإسلام أفرد (أهل الكتاب) بمعاملة خاصة، حتى أجاز مصاهرتهم والتزوج من نسائهم، ومعنى هذا أنه أجاز للمسلم أن تكون زوجته وشريكة حياته، وأم أولاده كتابية (مسيحية أو يهودية). ومقتضى هذا أن يكون أهلها أصهاره، وهم كذلك أجداد أولاده وجداتهم، وأخوالهم وخالاتهم، وأولاد أخوالهم وخالاتهم، وهؤلاء لهم حقوق أولي الأرحام وذوي القربى.
كما أن الإسلام اعتبر النصارى أقرب مودة للمسلمين من غيرهم، يقول تعالى (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون) المائدة: 82، كما قال نبي الإسلام أيضاً "أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة" (2).
نؤمن بالحوار
إننا نحن المسلمين نؤمن بالحوار، لأننا مأمورون به شرعاً، وقرآننا مليء بالحوارات بين رسل الله وأقوامهم، بل بين الله تعالى وبعض عباده، حتى أنه سبحانه حاور شر خلقه إبليس.
ولهذا نحن نرحب بثقافة (الحوار) بدل ثقافة (الصراع) سواء بين الحضارات أم بين الديانات.
ولا نوافق على منطق بعض المثقفين الأمريكيين مثل هنتجنتون الذين يؤمنون بحتمية الصدام بين الحضارات، وخصوصاً بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية.
ولماذا لا تتفاعل الحضارتان وتتكاملان، ويقتبس كل منهما من الآخر ما تفوق فيه؟ ماذا نريد من الغرب؟ إننا نريد من الغرب أن يتحرر من عقدة الخوف من الإسلام، واعتباره الخطر القدم (الخطر الأخضر) كما سماه بعضهم، وترشيحه ليكون العدو البديل بعد سقوط الاتحاد السوفييتي الذي سماه ريجان (دولة الشر).
كما نريد من الغرب أن يتحرر من عقدة الحقد القديمة الموروثة من الحروب التي سماها الغرب (صليبية) وسماها مؤرخونا (حروب الفرنجة). فنحن أبناء اليوم لا بقايا الأمس، ولسنا الذين بدأنا هذه الحروب، بل نحن الذين شنت عليهم.
ونريد منه كذلك أن يتحرر من نظرة الاستعلاء، التي ينظر بها إلى العالم نظرة السيد إلى عبده، فهذه النظرة من شأنها أن تثير الآخرين وتستفزهم.
مجالات مشتركة للتعاون الإسلامي المسيحي
ونحن لدينا مجالات مشتركة يمكننا أن نلتقي عليها، ونتفاهم حولها، ونتعاون على توسيعها وتعميقها.
*
التركيز على القواسم المشتركة
1)) التركيز على القواسم المشتركة بيننا وبين أهل الكتاب ولهذا قال تعالى (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن .. وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون) العنكبوت: 4.
ففي مجال التقريب والحوار بالتي هي أحسن: ينبغي ذكر نقاط الاتفاق، لا نقاط التمايز والاختلاف.
وهناك من المسلمين المتشددين من يزعم أنه لا توجد بيننا وبين اليهود والنصارى أية جوامع مشتركة، ما دمنا نحكم عليهم بالكفر، وأنهم حرفوا وبدلوا كلام الله.
وهذا فهم خاطئ للموقف الإسلامي من القوم. فلماذا أباح الله تعالى مؤاكلتهم ومصاهرتهم؟ ولماذا حزن المسلمون حين انتصر الفرس – وهم مجوس يعبدون النار – على الروم، وهم نصارى أهل الكتاب؟ حتى أنزل الله قرآنا يبشر المسلمين بأن الروم سينتصرون في المستقبل القريب (ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله) الروم: 4-5 كما جاء في أول سورة الروم.
وهذا يدل على أن أهل الكتاب – وإن كفروا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم – أقرب إلى المسلمين من غيرهم من الجاحدين أو الوثنيين.
*
التعاون لمواجهة الإلحاد والإباحية
2)) الوقوف معاً لمواجهة أعداء الإيمان الديني، ودعاة الإلحاد في العقيدة والإباحية في السلوك، من أنصار المادية، ودعاة العري، والتحلل الجنسي والإجهاض والشذوذ الجنسي، وزواج الرجال بالرجال والنساء بالنساء.
فينبغي أن يقف أهل الكتاب في جبهة واحدة، ضد هؤلاء الذين يريدون دمار البشرية، بدعاواهم المضللة، وسلوكياتهم الغاوية، وأن يهبطوا بها من أنق الإنسانية إلى درك الحيوانية (أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلاً أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً) الفرقان 43-4.
وقد رأينا الأزهر ورابطة العالم الإسلامي، والفاتيكان، يقفون في (مؤتمر السكان) في القاهرة، سنة 1994، وفي مؤتمر المرأة في بكين، سنة 1995، في صف واحد، لمواجهة دعاة الإباحة.
*
مناصرة قضايا العدل والشعوب المستضعفة
3)) الوقوف معاً لنصرة قضايا العدل، وتأييد المستضعفين والمظلومين في العالم، مثل قضية فلسطين والبوسنة والهرسك، وكوسوفا، وكشمير واضطهاد السود والملونين في أميركا وفي غيرها، ومساندة الشعوب المقهورة ضد الظالمين والمستكبرين في الأرض بغير الحق، الذين يريدون أن يتخذوا عباد الله عباداً لهم.
فالإسلام يقاوم الظلم، ويناصر المظلومين، من أي شعب، ومن أي جنس، ومن أي دين.
والرسول صلى الله عليه وسلم، ذكر حلف الفضول الذي شارك فيه في شبابه في الجاهلية، وكان حلفاً لنصرة المظلومين، والمطالبة بحقوقهم، ولو كانت عند أشراف القوم وسراتهم.
وقال عليه الصلاة والسلام: "لو دعيت إلى مثله في الإسلام لأجبت" (3).
*
إشاعة روح التسامح لا التعصب
4)) ومما ينبغي أن تتضمنه هذه الدعوة: إشاعة روح السماحة والرحمة والرفق في التعامل بين أهل الأديان، لا روح التعصب والقسوة والعنف.
فقد خاطب الله تعالى رسوله محمداً بقوله (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) الأنبياء: 107. وقال صلى الله عليه وسلم عن نفسه "إنما أنا رحمة مهداة" (4).
وذم القرآن بني إسرائيل بقوله في مخاطبتهم (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة) البقرة: 74.
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم لزوجه عائشة "إن الله يحب الرفق في الأمر كله" (5)
*
الأساس العقائدي لتسامح المسلم مع مخالفيه.
وأحب أن أعرض هنا لقضية حساسة لدى كل ذي دين، فهو يعتقد أنه على حق، وأن غيره على باطل، وأنه هو الذي يملك الهدى، وهذا الاعتقاد قد يؤدي إلى التعصب. ولكن هناك عناصر أخرى تخفف من هذا الأمر في فكر المسلم وضميره.
1= أنه يعتقد أن اختلاف البشر في أديانهم: واقع بمشيئة الله تعالى، المرتبطة بحكمته. كما قال تعالى (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم) هود: 118-119، أي خلقهم ليختلفوا ما دام قد منحهم العقل والحرية والإرادة.
2= إن الحساب على ضلال الضالين، وكفر الكافرين ليس في هذه الدنيا، ولكن في الآخرة، وليس موكولاً إلينا ولكن إلى الله الحكم العدل، واللطيف الخبير. كما قال تعالى لرسوله (فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير) الشورى: 15.
3= اعتقاد المسلم بكرامة الإنسان من حيث هو إنسان. وفي هذا روى البخاري عن جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم مروا عليه بجنازة، فقام لها واقفاً، فقالوا يا رسول الله، إنها جنازة يهودي فقال "أليست نفساً؟" بلى فما أعظم الموقف، وما أروع التعليل.
4= إيمان المسلم بأن عدل الله لجميع عباد الله، مسلمين وغير مسلمين، كما قال تعالى (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) المائدة:8، وبهذا لا يتحيز على من يكره، بل يؤدي الحق لأهله، مسلماً أو غير مسلم، صديقاً أم عدوا.
أيها السادة الأحبار والضيوف،
إن الغلاة والمتطرفين موجودون في كل أمة، وفي أتباع كل دين. وقد يكون وجودهم رد فعل لتطرف أو غلو معاكس، فكثيراً ما يكون الغلو الديني نتيجة الغلو اللاديني.
ولا يمكن أن تحاكم أمة كبرى أو حضارة عظمى، بوجود بعض الغلاة أو دعاة العنف فيها، وإلا لحاكمنا الحضارة الغربية بوجود النازية والفاشية والثورة البلشفية فيها، وبالحروب التي سقط فيها عشرات الملايين.
عندنا غلاة وعندكم غلاة، وهؤلاء لا يمكن أن يلتقوا أو يتحاوروا، فهم لا يؤمنون بجدوى الحوار، بل ولا بمشروعية الحوار.
إنما العمدة هم أهل الاعتدال من الفريقين، فهم الذين يناط بهم الأمل في اللقاء والحوار والتفاهم والتعاون في المتفق عليه، والتسامح في المختلف فيه.
أيها السادة:
إن العالم قد تقارب وتقارب حتى سماه بعضهم (قريتنا الكبرى). وأنا أقول: إنه أصبح قرية صغرى. وواجب أهل هذه القرية أن يلتقوا ويتحاوروا ويتعاونوا على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان، ها نحن نمد أيدينا إليكم لندعوكم إلى كلمة سواء بيننا وبينكم، دعا إليها نبينا محمد أهل الكتاب عامة "ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله".
كما يجب أن نقف جميعاً ضد الحروب الظالمة، التي يطغى فيها القوي على الضعيف، والتي تدفع فيها الشعوب الثمن من دمائها وحرماتها وضروريات حياتها، وكفى البشرية ماقدمت من ملايين في أتون الحرب.
يجب على أهل الدين والإيمان أن يقفوا مع قضايا العدل ضد الظلم، وأن يقفوا مع الإنسانية ضد العنصرية، ومع الأخلاقية ضد الإباحية، ومع الحق الأعزل ضد الباطل المدجج بالسلاح، ومع المستضعفين في الأرض ضد المتألهين المستكبرين.
إن الحضارة المعاصرة استطاعت أن تضع أقدام الإنسان على سطح القمر، ولكنها عجزت أن تحقق له السكينة والسعادة على سطح الأرض. وإنما يتحقق ذلك بالإيمان الصادق الذي يقدمه الدين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الشيخ يوسف القرضاوي
| | | |
|
|