أهلآ وسهلآ بك عزيزي الزائر في منتديات مملكة كل العرب

يسعدنا ويشرفنا انضمامك إلى أسرة المنتدى . للتسجيل معنا اضغط هنـا

مملكة كل العرب التسجيل لوحة التحكم

المساحة الإعلانية


 
العودة   منتديات مملكة كل العرب > القسم الأسلامي > مملكة الخيمة الرمضانية
 

مملكة الخيمة الرمضانية

منتدى خاص بشهر رمضان المبارك ليتم فيه المناقشه فيما يخص الشهر وطرح ماهو مفيد حسب تعاليم شرعنا الاسلامي ويتم اغلاق المنتدى في بقيه السنة


رد
 
LinkBack أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
قديم 13-Sep-2007, 07:41 PM رقم المشاركة : 1 (permalink)
معلومات العضو
ahma1010
المشرف العام
ابو معاذ

الصورة الرمزية ahma1010

إحصائية العضو








ahma1010 غير متواجد حالياً


وسام التميز:  - السبب: المعروف لا يعرف وانت المنتدى بعطائك وخلقك السامي وتميز متابعتكوسام التميز:  - السبب: بكل جداره انت مميز واكثر فنعم الرجل والاداري انتوسام التميز:  - السبب: متميز دائما

Sa31 بخلاء الجاحظ

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وكل عام وانتم بالف خير .
لتسليكم اعضاءنا الكرام اقدم لكم سلسلة من قصص البخلاء ( للجاحظ ) .
وسوف نبدا باول قصة :
قصة أحمد بن خلف

ومن طياب البخلاء أحمد بن خلف اليزيدي:



ترك أبوه في منزله يوم مات ألفي ألف درهم، وستمائة ألف درهم، وأربعين ومائة ألف دينار. فاقتسمها هو وأخوه حاتم قبل دفنه. وأخذ أحمد وحده ألف ألف وثلثمائة ألف درهم، وسبعين ألف دينار، ذهباً عيناً، مثاقيل وازنة جياداً، سوى العروض.

فقلت له وقد ورث هذا المال كله: ما أبطأ بك الليلة? قال لا والله، إلا أني تعيشت البارحة في البيت! فقلت لأصحابنا: لولا أنه بعيد العهد بالأكل في بيته، وأن ذلك غريب منه، لما احتاج إلى هذا الاستثناء، وإلى هذه الشريطة. وأين يتعشى الناس إلا في منازلهم? وإنما يقول الرجل عند مثل هذه المسألة: لا والله، إلا أن فلاناً حبسني، ولا والله، إلا أن فلاناً عزم علي. فأما ما يستثنى ويشترط، فهذا ما لا يكون إلا على ما ذكرناه قبل.

وقال لي مبتدئاً مرة عن غير مشورة، وعن غير سبب جرى: انظر أن تتخذ لعيالك في الشتاء من هذه المثلثة؛ فإنها عظيمة البركة، كثيرة النزل. وهي تنوب عن الغداء. ولها نفخة تغني عن العشاء. وكل شيء من الأحساء، فهو يغني عن طلب النبيذ وشرب الماء.

ومن تحسى الحار عرق. والعرق يبيض الجلد، ويخرج من الجوف. وهي تملأ النفس، وتمنع من التشهي. وهي أيضاً تدفئ، فتقوم لك في أجوافهم مقام فحم الكانون من خارج. وحسو طار يغني عن الوقود، وعن لبس الحشو.
والوقود يسود كل شيء وييبسه. وهو سريع في الهضم، وصاحبه معرض للحريق، ويذهب في ثمنه المال العظيم. وشر شيء فيه أن من تعوده لم يدفئه شيء سواه.

فعليك يا أبا عثمان بالمثلثة! واعلم أنها لا تكون إلا في منازل المشيخة وأصحاب التجربة. فخذها من حكيم مجرب، ومن ناصح مشفق.

وكان لا يفارق منازل إخوانه. وإخوانه مخاصيب مناويب، أصحاب نفح وترف. وكانوا يتحفونه ويدللونه، ويفكهونه ويحكمونه. ولم يشكوا أنه سيدعوهم مرة، وأن يجعلوا بيته نزهة ونشوة. فلما طال تغافله، وطالت مدافعته، وعرضوا له بذلك فتغافل، صرحوا له. فلما امتنع قالوا: اجعلها دعوة ليس لها أخت.

فلما بلغ منه ومنهم المجهود، اتخذ لهم طعيماً خفيفاً، شهياً مليحاً، لا ثمن له ولا مؤنة فيه.

فلما أكلوا وغسلوا أيديهم، أقبل عليهم فقال: أسألكم بالله الذي لا شيء أعظم منه، أنا الساعة أيسر وأغنى، أو قبل أن تأكلوا طعامي? قالوا: ما نشك أنك حين كنت والطعام في ملكك، أغنى وأيسر. قال: فأنا الساعة أقرب إلى الفقر، أم تلك الساعة? قالوا: بل أنت الساعة أقرب إلى الفقر. قال: فمن يلومني على ترك دعوة قوم قربوني من الفقر، وباعدوني من الغنى، وكلما دعوتهم أكثر كنت من الفقر أقرب، ومن الغنى أبعد? وفي قياسه هذا أن من رأيه أن يهجر كل من استسقاه شربة ماء، أو تناول من حائطه لبنة، ومن خليط دابته عوداً.

ومر بأصحاب الجداء، وذلك في زمان التوليد. فأطعمه الزمان في الرخص، وتحركت شهوته على قدر إمكانه عنده. فبعث غلاماً له يقال له ثقف؛ وهو معروف، ليشتري له جدياً. فوقف غير بعيد. فلم يلبث أن رجع الغلام يحضر، وهو يشير بيده، ويومئ برأسه: أن اذهب ولا تقف. فلم يبرح. فلما دنا منه قال: ويلك، تهزأ بي كأني مطلوب! قال: هذا أطرفه! الجدي بعشرة! أنت من ذي البابة? مر الآن، مرمر! فإذا غلامه يرى أن من المنكر أن يشتري جدي بعشرة دراهم! والجدي بعشرة إنما ينكر عندنا بالبصرة، لكثرة الخير، ورخص السعر. فأما في العساكر، فإن أنكر ذلك منكر، فإنما ينكره من طريق رخصه، وقلة ثمنه، لا لغير ذلك.

ولا تقولوا الآن: قد والله أساء أبو عثمان إلى صديقه، بل تناوله بالسوء حتى بدأ بنفسه. ومن كانت هذه صفته، وهذا مذهبه، فغير مأمون على جليسه. وأي الرجال المهذب? هذا والله الشيوع والتبوع، والبذاء وقلة الوفاء.

اعلموا أني لم ألتمس بهذه الأحاديث عنه إلا موافقته، وطلب رضاه ومحبته. ولقد خفت أن أكون عند كثير من الناس دسيساً من قبله، وكميناً من كمائنه. وذلك أن أحب الأصحاب إله أبلغهم قولاً في إياس الناس مما قبله، وأجودهم حسماً لأسباب الطمع في ماله.

على أني إن أحسنت بجهدي، فسيجعل شكري موقوفاً. وإن جاوز كتابي هذا حدود العراق شكر، وإلا أمسك. لأن شهرته بالقبيح عند نفسه في هذا الإقليم، قد أغنته عن التنويه والتنبيه على مذهبه. وكيف وهو يرى أن سهل بن هارون وإسماعيل بن غزوان كانا من المسرفين، وأن الثوري والكندي يستوجبان الحجر.

وبلغني أنه قال: لو لم تعرفوا من كرامة الملائكة على الله إلا أنه لم يبتلهم بالنفقة، ولا بقول العيال: هات، لعرفتم حالهم ومنزلتهم.

وحدثني صاحب لي قال: دخلت على فلان بن فلان، وإذا المائدة موضوعة بعد، وإذا القوم قد أكلوا ورفعوا أيديهم. فمددت يدي لآكل، فقال: أجهز على الجرحى، ولا تتعرض للأصحاء! يقول: اعرض للدجاجة التي قد نيل منها، وللفرخ المنزوع الفخذ. فأما الصحيح فلا تتعرض له. وكذلك الرغيف الذي قد نيل منها، وللفرخ المنزوع الفخذ. فأما الصحيح فلا تتعرض له. وكذلك الرغيف الذي قد نيل منه، وأصابه بعض المرق.

وقال لي الرجل: أكلنا عنده يوماً، وأبوه حاضر، وبني له يجيئ ويذهب. فاختلف مراراً. كل ذلك يرانا نأكل. فقال الصبي: كم تأكلون? لا أطعم الله بطونكم! فقال أبوه، وهو جد الصبي: ابني ورب الكعبة! وحدثني صاحب مسلحة باب الكرخ، قال: قال لي صاحب الحمام: ألا أعجبك من صالح بن عفان? كان يجئ كل سحر، فيدخل الحمام. فإذا غبت عن إجانة النورة مسح أرفاغه. ثم يتستر بالمئزر. ثم يقوم فيغسله في غمار الناس. ثم يجئ بعد في مثل تلك الساعة، فيطلي ساقيه وبعض فخذيه. ثم يجلس ويتزر بالمئزر. فإذا وجد غفلة غسله. ثم يعود في مثل ذلك الوقت، فيمسح قطعة أخرى من جسده. فلا يزال يطلي في كل سحر، حتى ذهب مني بطلية.

قال: ولقد رأيته وإن في زيق سراويله نورة.

وكان لا يرى الطبخ في القدور الشامية، ولا تبريد الماء في الجرار المذارية؛ لأن هذه ترشح، وتلك تنشف.
حدثني أبو الجهجاه النوشرواني، قال: حدثني أبو الأحوص الشاعر، قال: كنا نفطر عند الباسياني. فكان يرفع يديه قبلنا، ويستلقي على فراشه، ويقول: "إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً".

تحياتي لكم

ابو معاذ






من مواضيعي 0 إصابة 2000 عراقي بالكوليرا ومخاوف من تحوله لوباء
0 مورينيو ينفصل عن تشلسي وغرانت يخلفه
0 ناسا تطلق تلسكوباً فريداً لرصد أشعة "غاما" الغامضة
0 ريال مدريد يسجل فوزه الثالث على التوالي
0 نيوكاسل يهزم بولتون وفوز صعب لليفربول
التوقيع

آخر تعديل ahma1010 يوم 13-Sep-2007 في 07:46 PM.
رد مع اقتباس
قديم 16-Sep-2007, 04:24 PM رقم المشاركة : 2 (permalink)
معلومات العضو
ahma1010
المشرف العام
ابو معاذ

الصورة الرمزية ahma1010

إحصائية العضو








ahma1010 غير متواجد حالياً


وسام التميز:  - السبب: المعروف لا يعرف وانت المنتدى بعطائك وخلقك السامي وتميز متابعتكوسام التميز:  - السبب: بكل جداره انت مميز واكثر فنعم الرجل والاداري انتوسام التميز:  - السبب: متميز دائما

Sa31

قصة محمد بن أبي المؤمل


قلت لمحمد بن أبي المؤمل: أراك تطعم الطعام وتتخذه، وتنفق المال وتجود به. وليس بين قلة الخبز وكثرته كثير ربح. والناس يبخلون من قل عدد خبزه، ورأوا أرض خوانه. وعلى أني أرى جماجم من يأكل معك أكثر من عدد خبزك.

وأنت لو لم تتكلف، ولم تحمل على مالك بإجادته، والتكثير منه، ثم أكلت وحدك لم يلمك الناس، ولم يكثروا لذلك منك، ولم يقضوا عليك بالبخل، ولا بالسخاء، وعشت سليماً موفوراً، وكنت كواحد من عرض الناس.

وأنت لم تنفق الحرائب، وتبذل المصون، إلا وأنت راغب في الذكر والشكر، وإلا لتخزن الأجر.

فقد صرنا لقلة عدد خبزك من بين الأشياء، نرضى لك من الغنيمة بالإياب، ومن غنم الحمد والشكر، بالسلامة من الذم واللوم! فزد في عدد خبزك شيئاً؛ فإن بتلك الزيادة القليلة ينقلب ذلك اللوم شكراً، وذلك الذم حمداً.

أعلمت أنك لست تخرج من هذا الأمر بعد الكلفة العظيمة سالماً، لا لك ولا عليك? فانظر في هذا الأمر، رحمك الله! قال: يا أبا عثمان، أنت تخطئ، وخطأ العاقل أبداً يكون عظيماً، وإن كان في العذر قليلاً؛ لأنه إذا أخطأ أخطأ بتفقه وإحكام. فعلى قدر التفكر والتكلف يبعد من الرشاد، ويذهب عن سبيل الصواب.


وما أشك أنك قد نصحت بمبلغ الرأي منك. ولكن خف ما خوفتك، وإنه مخوف! بل الذي أصنع أدل على سخاء النفس بالمأكول، وأدل على الاحتيال ليبالغوا؛ لأن الخبر إذا كثر على الموائد، ورث ذلك النفس صدوداً؛ ولأن كل شيء من المأكول وغير المأكول، إذا ملأ العين ملا الصدر.

وفي ذلك موت الشهوة، وتسكين الحركة! ولو أن رجلاً جلس على بيدر تمر فائق، وعلى كدس كمثرى منعوت، وعلى مائة قنو موز موصوف، لم يكن أكله إلا قدر استطرافه، ولم يكن أكله إلا على قدر أكله، إذا أتي بذلك في طبق نظيف، مع خادم نظيف، عليه منديل نظيف.وبعد فأصحابنا آنسون، واثقون مسترسلون، يعلمون أن الطعام لهم اتخذ، وأن أكلهم له أوفق من تمزيق الخدم والأتباع له.

ولو احتاجوا لدعوا به، ولم يحتشموا منه، ولكان الأقل منهم أن يجربوا ذلك المرة والمرتين، وألا يقضوا علينا بالبخل دون أن يروه. فإن كانوا محتشمين وقد بسطناهم، وساء ظنهم بنا، مع ما يرون من الكلفة لهم، فهؤلاء أصحاب تجن وتسرع. وليس في طاقتي إعتاب المتجني، ولا رد المتسرع.

قلت له: إني قد رأيت أكلهم في منازلهم، وعند إخوانهم، وفي حالات كثيرة، ومواضع مختلفة. ورأيت أكلهم عندك، فرأيت شيئاً متفاوتاً، وأمراً متفاقماً. فاحسب أن البخل عليهم غالب، وان الضعف لهم شامل، وأن سوء الظن يسرع إليهم خاصة. ثم لا تداوي هذا الأمر بما لا مؤنة فيه? وبالشيء الذي لا قدر له? أو تدع دعاءهم، والإرسال إليهم، والحرص على إجابتهم?.

والقوم ليس يلقون أنفسهم عليك. وإنما يجيئونك بالاستحباب منك. فإن أحببت أن تمتحن ما أقول، فدع مواترة الرسل والكتب، والتغضب عليهم إذا أبطئوا. ثم انظر.
قال: فإن الخبز إذا كثر على الخوان، فالفاضل مما يأكلون لا يسلم من التلطخ والتغمير. والجردقة الغمرة، والرقاقة المتلطخة، لا أقدر أن أنظر إليها. وأستحيي أيضاً من إعادتها. فيذهب ذلك الفضل باطلاً. والله لا يحب الباطل! قلت: فإن ناساً يأمرون بمسحه، ويجعلون الثريدة منه. فلو أخذت بزيهم، وسلكت سبيلهم، أتى ذلك لك على ما تريد ونريد.

قال: أفلست أعلم كيف الثريد? ومن أي شيء هي? - وكيف أمنع نفسي التوهم، وأحول بينها وبين التذكير? ولعل القوم الحواري المتلطخ مقام الخشكار النظيف. وعلى أن المسح والدلك يأتي على ما تعلق به الدسم.

قال: عيالي - يرحمك الله! - عيالان: واحد أعظمه عن هذا وأرفعه عنه، وىخر لم يبلغ عندي أن يترف بالحواري! قلت: فاجعل إذاً جميع خبزك الخشكار، فإن فضل ما بينه وبين الحواري في الحسن والطيب، لا يقوم بفضل ما بين الحمد والذم.

قال: فهاهنا رأي هو أعدل الأمور وأقصدها: وهو أنا نحضر هذه الزيادة من الخبز على طبق، ويكون قريباً حيث تناله اليد، فلا يحتاج أحد مع قربه منه إلى أن يدعو به؛ ويكون قربه من يده كثرة على مائدته.

قلت: فالمانع من طلبه هو المانع من تحويله. فأطعني وأخرج هذه الزيادة من مالك كيف شئت.

واعلم أن هذه المقايسة، وطول هذه المذاكرة، أضر علينا مما نهيتك عنه، وأردتك على خلافه.

فلما حضر وقت الغداء صوت بغلامه - وكان ضخماً، جهير الصوت، صاحب تقعير، وتفخيم وتشديق، وهمز وجزم: يا مبشر! هات من الخبز تمام عدد الرءوس! قلت: ومن فرض لهم هذه الفريضة? ومن جزم عليهم هذا الجزم? أرأيت إن لم يشبع أحدهم رغيفه، أليس لا بد له من أن يعول على رغيف صاحبه، أو يتنحى وعليه بقية، أو يعلق يده منتظراً للعادة? فقد عاد الأمر، وبطل ما تناظرنا فيه.

قال: لا أعلم إلا ترك الطعام البتة أهون علينا من هذه الخصومة! قلت: هذا ما لا شك فيه. وقد علمت عندي بالصواب، وأخذت لنفسك بالثقة، إن وفيت بهذا القول.

وكان أكثر ما يقول: يا غلام، هات شيئاً من قليلة، وأقل منها، وأعد لنا ماء بارداً، وأكثر منه! وكان يقول: قد تغير كل شيء من أمر الدنيا، وحال عن أمره وتبدل، حتى المؤاكلة. قاتل الله رجالاً كنا نؤاكلهم: ما رأيت قصعة قط رفعت من بين أيديهم إلا وفيها فضل!


وكانوا يعلمون أن إحضار الجدي إنما هو شيء من آيين الموائد الرفعية؛ وإنما جعل كالعاقبة والخاتمة، وكالعلامة للبسر والفراغ، وأنه لم يحضر للتمزيق والتخريب، وأن أهله لو أرادوا به السوء لقدموه قبل كل شيء، لتقع الحدة به.

بل ما أكل منه إذا جيء به إلا العابث، وإلا الذي لو لم يره لقد كان يرفع يده، ولم ينتظر غيره! ولذلك قال أبو الحارث جمين، حين رآه لا يمس: هذا المدفوع عنه! ولولا أنه على ذلك شاهد الناس لما قال ما قال.

ولقد كانوا يتحامون بيضة البقيلة، ويدعها كل واحد منهم لصاحبه؛ حتى إن القصعة لقد كنت وإن البيض خاصة لعلي حاله.

وأنت اليوم إذا أردت أن تمتع عينك بنظرة واحدة منها، ومن بيض السلاءة، لم تقدر على ذلك! لا جرم لقد كان تركه ناس كثير، ما بهم إلا أن يكونوا شركاء من ساءت رعته.

وكان يقول: الآدام أعداء للخبز، وأعداها له المالح.

فلولا أن الله انتقم منه، وأعان عليه بطلب صاحبه الماء وإكثاره منه، لظننت أنه سيأتي على الحرث والنسل! وكان مع هذا يقول: لو شرب الناس الماء على الطعام ما اتخموا.

وأقلهم عليه شرباً أكثرهم عنه تخماً. وذلك أن الرجل لا يعرف مقدار ما أكل حتى ينال من الماء. وربما كان شبعان وهو لا يدري.

فإذا ازداد على مقدار الحاجة بشم. وإذا نال من الماء شيئاً بعد شيء، عرفه ذلك مقدار الحاجات، فلم يزد إلا بقدر المصلحة.

والأطباء يعلمون ما أقول حقاً. ولكنهم يعلمون أنهم لو أخذوا بهذا الرأي لتعطلوا، ولذهب المكسب! وما حاجة الناس إلى المعالجين إذا صحت أبدانهم? وفي قول جميع الناس: إن ماء دجلة أمرأ من الفرات، وإن ماء مهران أمرأ من ماء نهر بلخ؛ وفي قول العرب: هذا ماء نمير يصلح عليه المال، دليل على أن الماء يمرئ؛ حتى قالوا: إن الماء الذي يكون عليه النفاطات أمرأ من الماء الذي يكون عليه القيارات.

فعليكم بشرب الماء على الغداء، فإن ذلك أمرأ.

وكان يقول: ما بال الرجل إذا قال: يا غلام، أسقني ماء؛ أو أسق فلاناً ماء، أتاه بقلة على قدر الري? فإذا قال: أطعمني شيئاً، أو قال: هات لفلان طعاماً، أتاه من الخبز بما يفضل عن الجماعة، والطعام والشراب أخوان متحالفان ومتآزران? وكان يقول: لولا رخص الماء وغلاء الخبز لما كلبوا على الخبز، وزهدوا في الماء.

والناس أشد شيء تعظيماً للمأكول إذا كثر ثمنه، أو كان قليلاً في أصل منبته، وموضع عنصره. هذا الجزر الصافي، وهذا الباقلى الأخضر العباسي، أطيب من كمثرى خراسان، ومن الموز البستاني! ولكنهم لقصر همتهم لا يتشهون إلا على قدر الثمن، ولا يحنون إلى الشيء إلا على قدر القلة.

وهذه العوام في شهوات الأطعمة إنما تذهب مع التقليد، أو مع العادة، أو على قدر ما يعظم عندها من شأن الطعام.

وأنا لست أطعم الجزر المسلوق بالخل والزيت والمري، دون الكمأة بالزبد والفلفل، لمكان الرخص، أو لموضع الاستفضال، ولكن لمكان طيبه في الحقيقة، ولأنه مالح الطبيعة؛ علم ذلك من علم، وجهل ذلك من جهل! وكان في منزله فربما دخل عليه الصديق له، وقد كان تقدمه الزائر أو الزائران - وكان يستعمل على خوانه من الخدع والمكايد والتدبير، ما لم يبلغ بعضه قيس بن زهير، والمهلب ابن أبي صفرة، وخازم بن أبي خزيمة، وهرثمة بن أعين.

وكان عنده فيه من الاحتيال ما لا يعرفه عمرو بن العاص؛ ولا المغيرة بن شعبة. وكان كثيراً ما يمسك الخلال بيده، ليؤيس الداخل عليه من غدائه! - فإذا دخل عليه الصديق له، وقد عزم على إطعام الزائر والزائرين قبله، وضاق صدره بالثالث وإن كان قد دعاه وطلب إليه - أراد أن يحتال له، أو الرابع، إن ابتلي كل واحد منهما بصاحبه.

فيقول عند أول دخوله، وخلع نعله، وهو رافع صوته بالتنويه وبالتشنيع: هات يا مبشر لفلان شيئاًيطعم منه! هات له شيئاً ينال منه! هات له شيئاً! اتكالاً! على خجله أو غضبه أو أنفته؛ وطمعاً في أن يقول: قد فعلت! فإن أخطأ ذلك الشقي، وضعف قلبه وحصر، وقال: قد فعلت، وعلم أنه قد أحرزه وحصله، وألقاه وراء ظهره، لم يرض أيضاً بذلك حتى يقول: بأي شيء تغذيت? فلا بد له من أن يكذب، أو ينتحل المعاريض.


فإذا استوثق منه رباطاً، وتركه لا يستطيع أن يترمرم، لم يرض بذلك حتى قول في حديث له: كنا عند فلان، فدخل عليه فلان، فدعاه إلى غدائه فامتنع.

ثم بدا له فقال: في طعامكم بقيلة أنتم تجيدونها? ثم تناول، فلا يزال في وثاقه، وفي سد الأبواب عليه، وفي منعه البدوات. حتى إذاً بلغ الغاية قال: يا مبشر، أما إذ تغدى فلان واكتفى، فهات لنا شيئاً نبعث به? فإذا وضعوا الطعام، أقبل على أشهدهم حياء، أو على أكلاً، فسأله عن حديث حسن، أو عن خبر طويل! ولا يسأله إلا عن حديث يحتاج فيه إلى الإشارة باليد أو الرأس! كل ذلك ليشغله! فإذا هم أكلوا صدراً، أظهر الفتور والتشاغل والتنقر، كالشعبان الممتلئ، وهو في ذلك غير رافع يده، ولا قاطع أكله! إنما هو النتف بعد النتف، وتعليق اليد في خلل ذلك? فلا بد من أن ينقبض بعضهم ويرفع يده. وربما شمل ذلك جماعتهم.

فإذا علم أنه قد أحرزهم واحتال لهم، حتى يقلعهم من مواضعهم من حوال الخوان، ويعيدهم إلى مواضع من مجالسهم، ابتدأ الأكل، فأكل أكل الجائع المقرور! وقال: إنما الأكل تارات، والشرب تارات.

وكان كثيراً ما يقول لأصحابه، إذا بكروا عليه: لم لا نشرب أقداحاً على الريق، فإنها تقتل الديدان، وتحفش لأنفسنا قليلاً؛ فإنها تأتي على جمبع الفضول، وتشتهي الطعام بعد ساعة? وسكره أطيب من سكر الكظة. والشراب على المليلة بلاء.

وهو بعد ذلك دليل على أن نبيذي خالص. ومن لم يشرب على الريق فهو نكس في الفتوة، ودعى في أصحاب النبيذ! وإنما يخاف على كبده من سورة الشراب على الريق من بعد عهده باللحم. وهذه الصبحة تغسل عنكم الأوضار، وتنفي التخم.

وليس دواء الخمار، إلا الشرب بالكبار.

والأعشى كان أعلم به حيث يقول: وكأس شريت على لـذة وأخرى تداويت منها بها
وهذا - حفظك الله - هو اليوم الذي كانوا لا يعاينون فيه لقمة واحدة، ولا يدخل أجوافهم من النقل ما يزن خردلة! وهو يوم سروره التام؛ لأنه قد ربح المرزئة، وتمتع بالمنادمة! واشترى مرة شبوطة وهو ببغداد، وأخذها فائقة عظيمة.

وغالى بها، وارتفع في ثمنها.

وكان قد بعد عهده بأكل السمك، وهو بصري لا يصبر عنه. فكان قد أكبر أمر هذه السمكة لكثرة ثمنها، ولسمنها وعظمها، ولشدة شهوته لها! فحين ظن عند نفسه أنه قد خلا بها، وتفرد بأطايبها، وحسر عن ذراعيه، وصمد صمدها، هجمت عليه ومعي السدري! فلما رآه رأى الموت الأحمر، والطاعون الجارف، ورأى الحتم المقضي، ورأى قاصمة الظهر، وأيقن بالشر، وعلم أنه قد ابتلي بالتنين! فلم يلبثه السدري حتى قور السرة بالمبال! فاقبل علي فقال لي: يا أبا عثمان، السدري يعجبه السرر! فما فصلت الكلمة من فيه حتى قبض على القفا، فانتزع الجانبين جميعاً! فأقبل علي فقال: والسدري يعجبه الأقفاء! فما فرغ من كلامه إلا والسدري قد اجترف المتن كله! فقال: يا أبا عثمان، والسدري يعجبه المتون! ولم يظن أن السدري يعرف فضيلة ذنب الشبوط وعذوبة لحمه.

وظن أنه سيسلم له. وظن معرفة ذلك من الغامض. فلم يدر إلا والسدري قد اكتسح ما على الوجهين جميعاً! ولولا أن السدري أبطره، وأثقله، وأكمده، وملأ صدره، وملاه غيظاً، لقد كان أدرك معه طرفاً؛ لأنه كان من الأكلة. ولكن الغيظ كان من أعوان السدري عليه.

فلما أكل السدري جميع أطايبها، وبقي هو في النظارة، ولم يبق في يده مما كان يأمله في تلك السمكة إلا الغيظ الشديد، والغرم الثقيل، ظن أن في سائر السمكة ما يشبعه، ويشفي من كرمه. فبذلك كان عزاؤه. وذلك هو الذي كان يمسك بأرماقه، وحشاشات نفسه! فلما رأى السدري يفري الفري، ويلتهم التهاماً، قال: يا أبا عثمان، السدري يعجبه كل شيء! فتولد الغيظ في جوفه، وأقلقته الرعدة، فخبثت نفسه. فما زال يقئ ويسلح! ثم ركبته الحمى! وصحت توبته، وثم عزمه في ألا يؤاكل رغيباً أبداً، ولا زهيداً، ولا يشتري سمكة أبداً، رخيصة ولا غالية، وإن أهدوها إليه ألا يقبلها، وإن وجدها مطروحة لا يمسها.

فهذا ما كان حضرني من حديث ابن أبي المؤمل. وقد مات. عفا الله عنا وعنه!



تحياتي

ابو معاذ






من مواضيعي 0 اسنان كالؤلؤ حتى في الصيام
0 أسطوانة الآداب الإسلامية للأطفال و الناشئين
0 الأسهم السعودية تعاود التراجع..وتقرير يلوم المضاربين
0 صندوق النقد: خلل النمو العالمي يهدد اقتصاد العالم
0 مسافرة أمريكية غضبت.. فاعتقلت.. فماتت!!
التوقيع

رد مع اقتباس
قديم 16-Sep-2007, 04:35 PM رقم المشاركة : 3 (permalink)
معلومات العضو
fattouh1
مشرف التعليم واللغات
قلب المنتدى

الصورة الرمزية fattouh1

إحصائية العضو









fattouh1 غير متواجد حالياً


إرسال رسالة عبر مراسل ICQ إلى fattouh1

وسام التميز:  - السبب: متميز دائماوسام التميز:  - السبب: مهما قلنا فلن نوفي لشخصك الكريم المعطاء شيء لما تبذله من جهود رغم ظروفكوسام التميز:  - السبب: جهودك المبذولة وخاصة في قسم المعلم والطالب

افتراضي

نوادر الجاحظ كثيرة مع بخلائه فهي قصص مسلية و مفيدة.
بارك الله فيك اخي احمد على الاختيار الجميل.فنحن فعلا في حاجة الى الضحك من حين الى اخرفالمشاغب كثيرة.







من مواضيعي 0 حقوق الإنسان والعولمة:
0 تربية الابناء...القلق..اسبابه ...الوقاية منه.
0 قصص رواها النبي صلى الله عليه و سلم..القصة الاولى.
0 المراهقة مرحلة انتقالية و ليست ازمة.
0 بعض الأخطاء الشائعه في كلامنا باللغه الانجليزية
رد مع اقتباس
قديم 16-Sep-2007, 07:20 PM رقم المشاركة : 4 (permalink)
معلومات العضو
ahma1010
المشرف العام
ابو معاذ

الصورة الرمزية ahma1010

إحصائية العضو








ahma1010 غير متواجد حالياً


وسام التميز:  - السبب: المعروف لا يعرف وانت المنتدى بعطائك وخلقك السامي وتميز متابعتكوسام التميز:  - السبب: بكل جداره انت مميز واكثر فنعم الرجل والاداري انتوسام التميز:  - السبب: متميز دائما

افتراضي

تسلم والله اخوي فتحي .

وشكرا لك على الرد الراقي والراااااااااااااااااااائع من شخص قمة في الروعة .

تحياتي لك







من مواضيعي 0 افتتاح أكبر حديقة مائية بالشرق الأوسط اليوم في البحرين
0 المكسيكي جواردادو يتعاقد مع ديبورتيفو الأسباني
0 الأرجنتين تسعى لبداية قوية
0 كتابات للماسنجر
0 ياسر القحطاني ويونس محمود الأوفر حظا لجائزة لاعب آسيا الأول
التوقيع

رد مع اقتباس
قديم 17-Sep-2007, 06:03 PM رقم المشاركة : 5 (permalink)
معلومات العضو
ahma1010
المشرف العام
ابو معاذ

الصورة الرمزية ahma1010

إحصائية العضو








ahma1010 غير متواجد حالياً


وسام التميز:  - السبب: المعروف لا يعرف وانت المنتدى بعطائك وخلقك السامي وتميز متابعتكوسام التميز:  - السبب: بكل جداره انت مميز واكثر فنعم الرجل والاداري انتوسام التميز:  - السبب: متميز دائما

Sa31

قصة تمام بن جعفر


كان تمام بن جعفر بخيلاً على الطعام، مفرط البخل، وكان يقبل على كل من أكل خبزه بكل علة، ويطالبه بكل طائلة، وحتى ربما استخرج عليه أنه لابن، جلاد الدم.

وكان إن قال له نديم له: ما في الأرض أحد أمشي مني، ولا على ظهرها أحد أقوى على الحضر مني! قال: وما يمنعك من ذلك، وأنت تأكل أكل عشرة? وهل يحمل الرجل إلا البطن? لا حمد الله من يحمدك! فإن قال: لا والله إن أقدر أن أمشي، لأني أضعف الخلق عنه، وإني لأنبهر من مشى ثلاثين خطوة! قال: وكيف تمشي وقد جعلت في بطنك ما يحمله عشرون حمالاً! وهل ينطلق الناس إلا مع خفة الأكل? وأي بطين بقدر على الحركة? وإن الكظيظ ليعجز عن الركوع والسجود، فكيف بالمشي النكير! فإن شكا ضرسه وقال: ما نمت البارحة مع وجعه وضربانه، قال: عجبت كيف اشتكيت واحداً، وكيف لم تشتك الجميع! وكيف بقيت إلى اليوم في فيك حاكة! وأي ضرس يقوى على الدرس والطحن! والله إن الأرحاء السورية لتكل، وإن الميجان الغليظ ليتعبه الدق! ولقد استبطأت لك هذه العلة! ارفق، فإن الرفق يمن، ولا تخرق بنفسك، فإن الخرق شؤم!

وإن قال: لا والله، إن اشتكيت ضرساً لي قط، ولا تجلجل لي سن عن موضعه منذ عرفت نفسي، قال: يا مجنون! لأن كثرة المضغ تشد العمور، وتقوي الأسنان، وتدبغ اللثة، وتغدو أصولها.

وإعفاء الأضراس من المضغ يريحها. وإنما الفم جزء من الإنسان.


وكما الإنسان نفسه إذا تحرك وعمل قوى، وإذا طال سكونه تفتخ واسترخى، فكذلك الأضراس. ولكن رفقاً! فإن الإتعاب ينقص القوة. ولكل شيء مقدار ونهاية.

فهذا ضرسك لا تشتكيه، بطنك أيضاً لا تشتكيه? فإن قال: والله إن أروى من الماء. وما أظن أن في الدنيا أحداً أشرب مني للماء، قال: لابد للتراب من ماء، ولابد للطين من ماء يبله ويرو.

أوليست الحاجة على قدر كثرته وقلته? والله لو شربت ماء الفرات ما استكثرته لك، مع ما أرى من شدة أكلك، وعظم لقمتك! تدري ما قد تصنع? أنت والله تلعب! أنت لست ترى نفسك! فسل عنك من يصدقك، حتى تعلم أن ماء دجلة يقصر عما في جوفك! فإن قال: ما شربت اليوم ماء البتة، وما شربت أمس بمقدار نصف رطل، وما في الأرض إنسان أقل شرباً مني للماء، قال: لأنك لا تدع لشرب الماء موضعاً! ولأنك تكنز في جوفك كنزاً لا يجد الماء معه مدخلاً! والعجب لا تتخم؛ لأن من لا يشرب الماء على الخوان لا يدري مقدار ما أكل، ومن جاوز مقدار الكفاية كان حرياً بالتخمة.

فإن قال: ما أنام الليل كله، وقد أهلكني الأرق، قال: وتدعك الكظة والنفخة والقرقرة أن تنام? والله لو لم يكن إلا العطش الذي ينبه الناس لما نمت. ومن شرب كثيراً بال كثيراً.

ومن كان الليل كله بين شرب وبول كيف يأخذه النوم? فإن قال: ما هو إلا أن أضع رأسي، فإنما أنا حجر ملقى إلى الصبح، قال: ذلك لأن الطعام يسكن ويخدر ويحير، ويبل الدماغ، ويبل العروق، ويسترخي عليه جميع البدن.

ولو كان في الحق، لكان ينبغي أن تنام الليل والنهار! فإن قال: أصبحت وأنا لا أشتهي شيئاً، قال: إياك أن تأكل قليلاً ولا كثيراً؛ فإن أكل القليل على غير شهوة، أضر من الكثير مع الشهوة. قال الخوان: ويل لي ممن قال: لا أريد! وبعد، وكيف تشتهي الطعام اليوم، وأنت قد أكلت بالأمس طعام عشرة! وكان كثيراً ما يقول لندمائه: إياكم والأكل على الخمار، فإن دواء الخمار الشراب.

الخمار تخمة، والمتخم إذا أكل مات لا محالة ، وإياكم والإكثار في عقب الحجامة والفصد والحمام. وعليكم بالتخفيف في الصيف كله ، واجتنبوا اللحم خاصة.

وكان يقول: ليس يفسد الناس إلا الناس: هذا الذي يتكلم بالكلام البارد، وبالطرف المستنكرة، لو لم يصب من يضحك له، وبعض من يشكره ويتضاحك له - أوليس هو عنده إلا أن يظهر العجب له? - لما تكلف النوادر. ألا أهلك قول الناس للأكول النهم، وللرغيب الشره: فلان حسن الأكل! هو الذي أهلكه، وزاد في رغبته، حتى جعل ذلك صناعة، وحتى ربما أكل - لمكان قولهم وتقريبهم وتعجبهم - ما لا يطيقه فيقتل.

فلا يزال قد هجم على قوم، فأكل زادهم، وتركهم بلا زاد! فلو قالوا بدل قولهم: فلان حسن الأكل: فلان أقبح الناس أكلاً، كان ذلك صلاحاً لفريقين.

ولا يزال البخيل على الطعام قد دعا الرغيب البطن، واتخذ له الطعام الطيب، لفي عن نفسه المقالة، وليكذب عن نفسه تلك الظنون.

ولو كان شدة الضرس يعد في المناقب، ويمدح صاحبه في المجالس، لكان الأنبياء آكل الخلق، ولخصهم الله - جل ذكره - من الرغب بما لم يعطه أحداً من العالمين. وكيف? وفي مأثور الحديث: "إن المؤمن يأكل في معي واحد، وإن المنافق يأكل في سبعة أمعاء".

أولسنا قد نراهم يشتمون بالنهم، وبالرغب، وبكثرة الأكل؛ ويمدحون بالزهادة، وبقلة الطعام? أوليس قد قال النبي صلى الله عليه وسلم:من أدله على الحسناء القتين? وقد ساب رجل أيوب ابن سليمان بن عبد الملك، فقال في بعض ما يسبه: ماتت أمك بغراً، وأبوك بشماً! وبعد، فهل سمعتم بأحد قط فخر بشدة أكل أبيه، فقال: أنا ابن آكل العرب? بل قد رأينا أصحاب النبيذ والفتيان يتمدحون بكثرة الشرب، كما يتمدحون بقلة الرزق. ولذلك قالت العرب: قال الشاعر: تكفيه فلذة كبـد إن ألـم بـهـا من الشواء ويروي شربه الغمر

وقال: لا يتأرى لما في القدر يطلبه ولا تراه أمام القوم يقتفـر
وقال: لا يغمز الساق من أين ولا وصم ولا يعض على شرسوفه الصفر
والصفر هي حيات البطون، إنما تكون من الفضول والتخم، ومن الفساد والبشم.


وشرب مرة نبيذ، وغناه المغنى، فشق قميصه من الطرب. فقال لمولى له له يقال له المحلول، وهو إلى جنبه: شق أيضاً أنت - ويلك - قميصك! - والمحلول هذا من الآيات - قال: لا والله، لا أشقه، وليس لي غيره. قال: فشقه وأنا أكسوك غداً. قال: فأنا أشقه غداً. قال: أنا ما أصنع بشقك له غداً? قال: وأنا ما أرجو من شقه الساعة? فلم أسمع بإنسان يقايس ويناظر في الوقت الذي إنما يشق فيه القميص من غلبة الطرب، غيره وغير مولاه محلول.
دخل على الأعمى على يوسف بن كل خير، وقد تغدى. فقال: يا جارية، هاتي لأبي الحسن غداء. قالت: لم يبق عندنا شيء. قال: هاتي - ويلك! - ما كان، فليس من أبي الحسن حشمة! ولم يشك على أنه سيؤتي برغيف ملطخ، وبرقاقة ملطخة، وبسكر، وبقية مرق، وبعرق، وبفضلة شواء، وببقايا ما يفضل في الجامات والسكرجات.
فجاءت بطبق ليس عليه إلا رغيف أرز قاحل، لا شيء غيره.
فلما وضعوا الخوان بين يديه فأجال يده فيه، وهو أعمى، فلم يقع إلا على ذلك الرغيف، وقد عل أن قوله: ليس منه حشمة لا يكون إلا مع القليل، فلم يظن أن الأمربلغ ذلك.

فلما لم يجد غيره قال: ويلكم! ولأكل هذا بمره رفعتم الحشمة كلها? والكلام لم يقع إلا على هذا? حدثني محمد بن حسان الأسود، قال: أخبرني زكريا القطان، قال: كان للغزال قطعة أرض قدام حانوتي، فأكرى نصفها من سماك يسقط عنه ما استطاع من مؤنة الكراء.

قال: وكان الغزال أعجوبة في البخل. وكان يجيء من منزله ومعه رغيف في كمه. فكان أكثر دهره يأكله بلا أدم.

فإذا أعيا عليه الأمر، أخذ من ساكنه جوافة بحبة، وأثبت عليها فلساً في حسابه! فإذا أراد أن يتغدى أخذ الجوافة فمسحها على وجه الرغيف، ثم عض عليه! وربما فتح بطن الجوافة، فيطر جنبيها وبطنها باللقمة بعد اللقمة! فإذا خاف أن ينهكها ذلك، وينضم بطنها، طلب من ذلك السماك شيئاً من ملح السمك، فحشا جوفها لينفخها، وليوهم أن هذا هو ملحها الذي ملحت به! ولربما غلبته شهوته فكدم طرف أنفها، وأخذ من طرف الأرنبة ما يسيغ به لقمته! وكان ذلك منه لا يكون إلا في آخر لقمة، ليطيب فمه بها! ثم يضعها في ناحية.

فإذا اشترى من امرأة غزلاً أدخل تلك الجوافة في ثمن الغزل، من طريق إدخال العروض، وحسبها عليها بفلس، فيسترجع رأس المال، ويفضل الأدم.

وروى أصحابنا عن عبد الله بن المقفع، قال: كان ابن جذام الشيء يجلس إلي. وكان ربما انصرف معي إلى المنزل، فيتغذى معنا، ويقيم إلى أن يبرد.

وكنت أعرفه بشدة البخل وكثرة المال. فألح علي في الاستزارة، وصممت عليه في الامتناع. فقال: جعلت فداك! أنت تظن أني ممن يتكلف، وأنت تشفق علي! لا والله! إن هي إلا كسيرات يابسة وملح وماء الحب! فظننت أنه يريد اختلابي بتهوين الأمر عليه. وقلت: إن هذا كقول الرجل: يا غلام، أطعمنا كسرة، وأطعم السائل خمس تمرات. ومعناه أضعاف ما وقع اللفظ عليه.

وما أظن أن أحداً يدعو مثلي إلى الحربية من الباطنة، ثم يأتيه بكسرات وملح.
فلما صرت عنده وقربه إلي، إذ وقف سائل بالباب، فقال: أطعمونا مما تأكلون، أطعمكم الله من طعام الجنة! قال: بورك فيك! فأعاد الكلام، فأعاد عليه مثل ذلك القول.
فأعاد عليه السائل، فقال: اذهب - ويلك! - فقد ردوا عليك. فقال السائل: سبحان الله! ما رأيت كاليوم أحداً يرد من لقمة، والطعام بين يديه! قال: اذهب - ويلك! - وإلا خرجت إليك والله، فدققت ساقيه! فقلت للسائل: اذهب وأرح نفسك، فإنك لو تعرف من صدق وعبده مثل الذي أعرف، لما وقفت طرفة عين بعد رده إياك! وكان أبو يعقوب الذقنان يقول: ما فاتني اللحم منذ ملكت المال.

وكان إذا كان يوم الجمعة اشترى لحم بقر بدرهم، واشترى بصلاً بدانق، وباذنجاناً بدانق، وقرعة بدانق.

فإذا كان أيام الجزر فجزر بدانق! وطبخه كله سكباجاً. فأكل وعياله يومئذ خبزهم بشيء من رأس القدر، وما ينقطع في القدر من البصل والباذنجان والجزر والقرع والشحم واللحم.

فإذا كان يوم السبت ثردوا خبزهم في المرق. فإذا كان يوم الأحد أكلوا البصل. فإذا كان يوم الاثنين أكلوا الجزر ، فإذا كان يوم الثلاثاء أكلوا القرع ، فإذا كان يوم الأربعاء أكلوا الباذنجان، فإذا كان يوم الخميس أكلوا اللحم.

فلهذا كان يقول: ما فاتني اللحم منذ ملكت المال!


قال أصحابنا: نزلنا بناس من أهل الجزيرة، وإذا هم في بلاد باردة، وإذا حطبهم شر حطب، وإذا الأرض كلها غابة واحدة طرفاء. فقلنا: ما في الأرض أكرم من الطرفاء.

قالوا: هو كريم، ومن كرمه نفر. فقلنا: وما الذي تفرون منه? قالوا: دخان الطرفاء يهضم الطعام، وعيالنا كثير! وقد عاب ناس أهل المازح والمديبر بأمور: منها أن خشكانهم من دقيق شعير، وحشوه الذي فيه من الجوز والسكر، من دقيق خشكار.
وأهل المازج لا يعرفون بالبخل.

ولكنهم أسوأ الناس حالاً. فتقديرهم على قدر عيشهم. وإنما نحكي عن البخلاء الذين جمعوا بين البخل واليسر، وبين خصب البلاد وعيش أهل الجدب. فأما من يضيق على نفسه لأنه لا يعرف إلا الضيق، فليس سبيله سبيل القوم.

قال المكي: كان لأبي عم يقال له سليمان الكثري. سمى بذلك لكثرة ماله. وكان يقربني وأنا صبي إلى أن بلغت، ولم يهب لي مع ذلك التقريب شيئاً قط ، وكان قد جاوز في ذلك حد البخلاء.

فدخلت عليه يوماً، وإذا قدامه قطع دار صيني لا تسوى قيراطاً. فلما نال حاجته منها، مددت يدي لآخذ منها قطعة ، فلما نظر إلي قبضت يدي! فقال: لا تنقبض وانبسط واسترسل. وليحسن ظنك، فإن حالك عندي على ما تحب! فخذه كله، فهو لك بزوبره وبحذافيره! وهو لك جميعاً! نفسي بذلك سخية! والله أعلم أني مسرور بما وصل إليك من الخير! فتركته بين يديه، وقمت من عنده، وجعلت وجهي كما أنا إلى العراق! فما رأيته وما رآني حتى مات.

وقال المكي: سمعني سليمان وأنا أنشد شعر امرئ القيس:
لنا غنم نسـوقـهـا غـزار كأن قرون جلتها العـصـي
فتملأ بيتنا أقطـاً وسـمـنـاً وحسبك من غنىً شبع وروي

قال: لو كان الذي قال ليحيى بن خالد حين نقب في أبي قبيس، وزاد في داره: عمدت إلى شيخ الجبال فزعزعته، وثلمت فيه.

وقال حين عوتب في قلة الضحك، وشدة القطوب: إن الذي يمنعني من الضحك أن الإنسان أقرب ما يكون من البذل، إذا ضحك، وطابت نفسه! صحبني محفوظ النقاش من مسجد الجامع ليلاً.

فلما صرت قرب منزله - وكان منزله أقرب إلى مسجد الجامع من منزلي - سألني أن أبيت عنده.

وقال: أين تذهب في هذا المطر والبرد، ومنزلي منزلك، وأنت في ظلمة، وليس معك نار? وعندي لباً لم ير الناس مثله، وتمر ناهيك به جودة، لا تصلح إلا له! فملت معه، فأبطأ ساعة. ثم جاءني بجام لبإ وطبق تمر.

فلما مددت قال: يا أبا عثمان، إنه لبإ وغلظه! وهو الليل وركوده! ثم ليلة مطر ورطوبة، وأنت رجل قد طعنت في السن. ولم تزل تشكو من الفالج طرفاً.

وما زال الغليل يسرع إليك. وأنت في الأصل لست بصاحب عشاء! فإن أكلت اللبأ ولم تبالغ، كنت لا آكلاً ولا تاركاً؛ وحرشت طباعك. ثم قطعت الأكل أشهى ما كان إليك ، وإن بالغت، بتنا في ليلة سوء من الاهتمام بأمرك، ولم نعد لك نبيذاً ولا عسلاً.

وإنما قلت هذا الكلام لئلا تقول غداً: كان وكان! والله وقد وقعت بين نابي أسد! لأني لو لم أجئك به وقد ذكرته لك، قلت: بخل به، وبدا له فيه. وإن جئت به ولم أحذرك منه، ولم أذكرك كل ما عليك فيه، قلت: لم يشفق علي ولم ينصح.

فقد برئت إليك من الأمرين جميعاً. وإن شئت فأكلة وموتة! وإن شئت فبعض الاحتمال ونوم على سلامة! فما ضحكت قط كضحكي تلك الليلة. ولقد أكلته جميعاً، فما هضمه إلا الضحك والنشاط والسرور، فيما أظن. ولو كان معي من يفهم طيب ما تكلم به، لأتى على الضحك، أو لقضى علي. ولكن ضحك من كان وحده لا يكون على شطر مشاركة الأصحاب.

وقال أبو القماقم: أول الإصلاح ألا يرد ما صار في يدي لك؛ فإن كان ما صار في يدي لي فهو لي، وإن لم يكن لي فأنا أحق به ممن صيره في يدي! ومن أخرج من يده شيئاً إلى يد غيره من غير ضرورة، فقد أباحه لمن صيره إليه! وتعريفك إياه مثل إباحته.

وقالت له امرأة: ويحك يا أبا القماقم! إني قد تزوجت زوجاً نهارياً، والساعة وقته.

وليست على هيئته. فاشتر لي بهذا الرغيف أساً، وبهذا الفلس دهناً، فإنك تؤجر! فعسى الله أن يلقي محبتي في قلبه، فيرزقني على يدك شيئاً أعيش به، فقد والله ساءت حالي، وبلغ المجهود مني - فأخذهما، وجعله وجهه! فرأته بعد أيام فقالت: سبحان الله! أما رحمتني مما صنعت بي! قال: ويحك! سقط والله مني الفلس، فمن الغم أكلت الرغيف!


وتعشق واحدة، فلم يزل يتبعها ويبكي بين يديها، حتى رحمته. وكانت مكثرة، وكان مقلاً. فاستهداها هريسة، وقال: أنتم أحذق بها! فلما كان بعد أيام تشهى عليها رءوساً. فلما كان بعد قليل، طلب منها حيسة. فلما كان بعد ذلك، تشهى عليها طفيشلية. قالت المرأة: رأيت عشق الناس يكون في القلب وفي الكبد وفي الأحشاء.

وعشقك أنت ليس يجاوز معدتك! وقال أبو الأصبغ: ألح أبو القماقم على قوم عند الخطبة إليهم، يسأل عن مال امرأة ويحصيه، ويسأل عنه. فقالوا: قد أخبرناك بما لها، فأنت أي شيء مالك? قال: وما سؤالكم عن مالي? الذي لها يكفيني ويكفيها! سمعت شيخاً من مشايخ الأبلة يزعم أن فقراء أهل البصرة، أفضل من فقراء أهل الأبلة.

قلت: بأي شيء فضلتم? قال: هم أشد تعظيماً للأغنياء، وأعرف بالواجب.

ووقع بين رجلين أبليين كلام، فأسمع أحدهما صاحبه كلاماً غليظاً، فرد عليه مثل كلامه. فرأيتهم قد أنكروا ذلك إنكاراً شديداً، ولم أر لذلك سبباً. فقلت: لم أنكرتم أن يقول له مثل ما قال? قالوا: لأنه أكثر منه مالاً. وإذا جوزنا هذا له، جوزنا لفقرائنا أن يكافئوا أغنياءنا، ففي هذا الفساد كله! وقال حمدان بن صباح: كيف صار رياح يسمعني ولا أسمعه? أفهو أكثر مالاً مني? ثم سكت.

قال: ويكون الزائر من أهل البصرة عند الأبلى مقيماً مطمئناً. فإذا جاء المد قالوا: ما رأينا مداً قط ارتفع ارتفاعه. وما أطيب السير في المد! والسير في المد إلى البصرة، أطيب من السير في الجزر إلى الأبلة! فلا يزالون به حتى أن من الرأي أن يغتنم ذلك المد بعينه! كان أحمد الخاركي بخيلاً، وكان نفاجاً.

وهذا أغيظ ما يكون. وكان يتخذ لكل جبة أربعة أزرار، ليرى الناس أن عليه جبتين، ويشتري الأعذاق والعراجين والسعف من الكلاء؛ فإذا جاء الحمال إلى بابه تركه ساعة، يوهم الناس أن له من الأرضين ما يحتمل أن يكون ذلك كله منها.

وكان يكتري قدور الخمارين التي تكون للنبيذ، ثم يتحرى أعظمها، ويهرب من الحمالين بالكراء؛ كي يصيحوا بالباب: يشترون الداذي والسكر، ويحبسون الحمالين بالكراء! وليس في منزله رطل دبس! وسمع قول الشاعر:

رأيت الخبز عز لديك حتـى حسبت الخبز في جو السحاب

ومـا روحـتـنـا عـنــا ولكن خفت مرزئة الذبـاب

فقال: ولم ذب عنهم? لعنه الله! ما أعلم إلا أنه شهى إليهم الطعام، ونظف لهم القصاع، وفرغهم له، وسخرهم عليه! ثم ألا تركها تقع في قصاعهم، وتسقط على آنافهم وعيونهم! هو والله أهل لما هو أعظم من هذا! كم ترون من مرة قد أمرت الجارية أن تلقي في القصعة الذبابة والذبابتين والثلاثة، حتى يتقزز بعضهم، ويكفي الله شره! قال: وأما قوله: رأيت الخبز عز لديك حتى قال: فإن لم أعز هذا الشيء الذي هو قوام أهل الأرض، وأصل الأقوات، وأمير الأغذية، فأي شيء أعز? إي والله، إني أعزه وأعزه وأعزه وأعزه، مدى النفس، ما حملت عيني الماء.

وبلغ من نفجه مع ذلك، ما أخبرني به إبراهيم بن هانئ، قال: كنت عنده يوماً إذ مر به بعض الباعة، فصاح الخوخ الخوخ! فقلت: وقد جاء الخوخ بعد? قال: نعم، قد جاء وقد أكثرنا منه. فدعاني الغيظ عليه إلى أن دعوت البياع، وأقبلت على ابن الخاركي، فقلت: ويحك! نحن لم نسمع به بعد، وأنت قد أكثرت منه! وقد تعلم أن أصحابنا أترف منك! ثم أقبلت على البياع فقلت: كيف تبيع الخوخ? فقال: ستة بدرهم، قلت: أنت ممن يشتري ست خوخات بدرهم، وأنت تعلم أنه بياع بعد أيام مائتين بدرهم? ثم تقول: وقد أكثرنا منه، وهذا يقول: ستة بدرهم? قال: وأي شيء أرخص من ستة أشياء بشيء? كان غلام صالح بن عفان يطلب منه لبيت الحمار بالليل. فكان يعطيه كل ليلة ثلاثة أفلس - والفلوس أربعة طسوج - ويقول: طسوج يفضل وحبة تنقص، وبينهما يرمي الرامي! وكان يقول لابنه: تعطي صاحب الحمام وصاحب المعبر لكل واحد منهما طسوجاً، وهو إذا لم ير معك إلا ثلاثة أفلس لم يردك? قال أبو كعب: دعا موسى بن جناح جماعة من جيرانه ليفطروا عنده في شهر رمضان.


وكنت فيهم، فلما صلينا المغرب، ونجز ابن جناح، أقبل علينا ثم قال: لا تعجلوا، فإن العجلة من الشيطان. وكيف لا تعجلون وقد قال الله جل ذكره: وكان الإنسان عجولاً، وقال: خلق الإنسان من عجل? - اسمعوا ما أقول، فإن فيما أقول حسن المؤاكلة، والبعد من الأثرة، والعاقبة الرشيدة، والسيرة المحمودة.

وإذا مد أحدكم يده إلى الماء فاستسقى - وقد أتيتم ببهطة، أو بجوذابة، أو بعصيدة، أو ببعض ما يجري في الحلق ولا يساغ بالماء، ولا يحتاج فيه إلى مضغ، وهو طعام يد لا طعام يدين، وليست على أهل اليد منه مؤنة، وهو مما يذهب سريعاً - فأمسكوا، حتى يفرغ صاحبكم؛ فإنكم تجمعون عليه خصالاً: منها، أنكم تنغصون عليه بتلك السرعة، إذا علم أنه لا يفرغ إلا مع فراغكم. ومنها، أنكم تخنقونه ولا يجد بداً من مكافأتكم؛ فلعله أن يتسرع إلى لقمة حارة فيموت وأنتم ترونه.

وأدنى ذلك أن تبعثوه على الحرص، وعلى عظم اللقم. ولهذا ما قال الأعرابي حين قيل له: لم تبدأ بأكل اللحم الذي فوق الثريد? قال: لأن اللحم ظاعن، والثريد مقيم! وأنا وإن كان الطعام فإني كذلك أفعل.

فإذا رأيتم فعلي مخالف قولي، فلا طاعة لي عليكم.
قال أبو كعب: فربما نسي بعضنا، فمد يده إلى القصعة، وقد مد يده صاحبه إلى الماء، فيقول له موسى: يدك يا ناسي! ولولا شيء لقلت لك: يا متغافل! قال: وأتانا بارزة. ولو شاء إنسان أن يعد حبها لعده، لتفرقه ولقلته. قال: فنثروا عليها ليلة من ذلك مقدار نصف سكرة. فوقعت ليلتئذ في قطعة، وكنت إلى جنبه، فسمع صوتها حين مضغتها، فضرب يده على جنبي، ثم قال: اجرش يا أبا كعب اجرش! قلت: ويلك! أما تتقي الله! كيف أجرش جزءاً لا يتجزأ?.



تحياتي

ابو معاذ






من مواضيعي 0 مجهول يطلق النار على مدافع اتحاد جدة السعودي أحمد الدوخي
0 إنتقال مرزوق العتيبي للنصر
0 شوفوا الاجابة
0 حقائق !
0 وظائف معيدين شاغرة بجامعة الجوف
التوقيع

رد مع اقتباس
قديم 18-Sep-2007, 06:04 PM رقم المشاركة : 6 (permalink)
معلومات العضو
ahma1010
المشرف العام
ابو معاذ

الصورة الرمزية ahma1010

إحصائية العضو