مرحلة النشأة في القصة السعودية:
مهما يكن من أمر فإن القصة السعودية القصيرة في بداياتها كانت أكثر تقدما وتبلورا من القصة العربية القصيرة المبكرة بشكل عام في بواكيرها الأولى ويلاحظ أنها كانت أسرع تطوراً، بحيث تم حرق الكثير من المراحل، فقد تزامنت التوجهات المختلفة في مراحل متباينة، إذ نجد الرومانسي إلى جانب الواقعي إلى جانب الرمزي والسور يالي والحداثي وما إلى ذلك. كان للتجريب دور كبير في مرحلة النهضة تلك التي ظهرت حين كانت الظروف مواتية لإفراز قصة قصيرة قادرة على التعبير عن واقعها.إن المرحلة الأولى فيها بذور التيارات الأخرى، وفي المرحلة التالية بدأت القصة تحتل مكانة هامة في الساحة الأدبية تبلور تيار خاص بالقصة القصيرة تمثل في إصدار المجموعات الأولى بعد أن كان نشر القصة القصيرة محصورا ًفي الصحافة، وتمثل في إصرار (( العطار)) على إصدار عدد خاص ووحيد من جريدته البيان للرد على أنصار(( أحمد السباعي)) الذي دارت حول قصته((فكرة)) معركة ضارية.
وكانت معظم المجموعات التي صدرت في هذه المرحلة لكتاب غير متخصصين في كتابة القصة القصيرة مثل (( أحمد عبد الغفور عطار)) الذي نشر مجموعة( أريد أن أرى الله)) التي قدم لها سيد قطب(رحمه الله) وحسن عبد الله القرش الذي نشر مجموعة( أنات الساقية) قدم لها محمود تيمور، ومجموعة ( مع الشيطان) لإبراهيم هاشم الفلالى التي قدم لها عبد الله عبد الجبار و(حياة جائعة) لعبد الله جفرى التي كتب مقدمتها محمد عمر توفيق، ومجموعة(( سعد البواردي، الذي نشرها تحت عنوان ( شبح من فلسطين) وعبد السلام هاشم حافظ الذي أصدر مجموعتين هما ( قلوب كليمة)و(فاطمة وقصص أخرى)
وتعتبر هذه المرحلة امتداداً لسابقتها من حيث التمهيد لظهور القصة الفنية وإن بدا أن ثمة مفهوما جديداً قد تبلور ووعياً بجماليات القصة القصيرة قد برز لكن الغاية الإصلاحية المباشرة هي التي سيطرت على الأذهان كما يتبدى من مقدمة ((محمد أحمد جمال ) لمجموعته (سعد قال لي) الذي يرأى أن القصة القصيرة هي الحدث الذي له بداية ونهاية وفيه رمز مفهوم وعبرة متناولة، في حين نرى (حسين سرحان )يركز على الجانب التصويري و(عبد السلام ساسي) على (الخيال الخصب) وكذلك (عباس غزاوي ) الذي ركز على أهمية علم النفس في فن القصة القصيرة. في حين ركز (عبد الله الجفري) على البيئة الزمانية والمكانية وعلى أهمية التطور.
وقد رأينا اتساعاً في المشكلات التي عالجتها القصة القصيرة في هذه المرحلة فمن القضايا الاجتماعية إلى القضايا الإنسانية إلى القضايا العاطفية ثم القضايا القومية، ولم يكن الطرح موحداً فيما يتعلق بهذه القضايا خصوصا( الزواج من الأجنبية) ويلحظ هذا في نموذجين
الأول( لأمين سالم الرويحى )تحت عنوان( زواج فاشل) حيث أدان هذا الزواج كما يظهر من العنوان، والثاني (لعبد السلام هاشم حافظ) الذي دافع عن الزواج من أجنبية واتهم المرأة في بلدة بأنها على النقيض من تلك الصورة الزاهية التي صورت بها المرأة الأجنبية، وذلك في قصة( على نفسها جنت براقش) ولا يتسع المجال لتتبع هذه الموضوعات الآن.
ومن الملاحظ أن ثمة تيارين قد سادا إنتاج القصة القصيرة في هذه المرحلة هما:
1- التيار التخصصي الذي انقطع إلى القصة القصيرة وقد وجد مجاله للنشر في الصحف.
2- والتيار غير المتخصص الذي رأيناه يتمثل في ذلك السيل من المجموعات القصصية التي تدفقت في الساحة.
غير أن المقومات الفنية بمفهومها الدقيق لم تكن قد تحققت بعد، فقد ظلت الفكرة الإصلاحية تبدو منفصلة عن إطارها البنائي الجمالي وكان التوجه مباشرا إلى القارئ مما يؤكد هذه الحقيقة، وتنوعت الأشكال التي كتبت فيها القصة في هذه المرحلة فمن الأسلوب (الفلسفي الساخر) لدى الفلالى إلى الأسلوب (الشعري العاطفي) عند القرشي حيث (شكل الرسالة) هو الأثير عند الكاتب، لأن هذا الشكل يمكنه من الاسترسال في البوح الوجداني لإبراز الصفة المأساوية في الشخصية، فهو متخصص في هذا النمط من الشخصيات،
ويعنى الجانب الإنساني والسيري حيث تبرز ملامحه الذاتية في هذه القصص، ويغلب على قصصه شكل الأحدوثة أو حكايات الأمثال وتقترب من المختصرات الروائية،أما(( أمين سالم الرويحي) فقد كان متأثرا( بفن الخبر) حيث تتشعب عنده الأحداث وتزدحم الشخصيات،والحقيقة عنده يصيبها شئ من التسيب حين يستطرد فيها ليخاطب شخصيات عامة كما فعل في قصة( الفرحتان) أما عبد السلام هاشم حافظ فقد عكف على تصوير اللحظات الحية تصويرا صريحا ودقيقا في بعض قصصه كما حدث في قصة ( لها ماض).
ومن الملاحظ أن مرحلة البدايات استغرقت زمنا طويلا ًفي المملكة العربية السعودية. وأعني بذلك تلك المرحلة التي لم تستوي فيها القصة بناء متكاملا ً، إذ استمرت ما يقرب من ثلاثة عقود أو يزيد.
(( منقول من كتاب في الأدب العربي السعودي/ الدكتور ،،، محمد صالح))
(( للموضوع بقية))