بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
القوَّة الإيمانية في تحقّق الانتصارات الربَّانية ( 2-3 )
أخي القارئ أهلاً بك مرة ثانية ، ولعلَّك قد فَهِمتَ مما سبق في ( المحور الأول ) ماذا نقصِدُ مِنَ الإعداد المعنوي وإليك الآن ( المحور الثاني ) :
ونسوق فيه أمثلةً مِن الإعداد المعنوي ، ومنها يتبين أهمية التربية الإيمانية : إنَّ المتأمل في ماضي أسلافنا الأُوَل يرى أنهم كانوا يُولون اهتماماً بالغاً لما قبل ـ البدء الحقيقي ـ لخوض معاركهم ، كيف وهم يعلمون أن النصر من عند الله تعالى ؛ فكيف كان قُربُهم من ربهم كان النصر أسرع إليهم ، والخذلان والهزيمة لأعدائهم ..
وقد كانت لتلك الآثار التربوية ، والإيمان الصادق في نفوسهم دروساً ربانية مسبقة أتت من عند الله تبارك وتعالى أولاً ثُم مِن عند النبي محمد صلى الله عليه وسلم ..
فعندما فَرَضَ الله القتال على عباده المؤمنين بعد طول عناء كانت هناك إرشادات وتوجيهات ودروس ربانية لِما قبل الخوض في المعارك والقتال ، حيث كانت تُحاكي الإيمان والأخلاق المسلمة في النفوس ، ولم يكن الأمر مبهماً وعارٍ عن التوجيهات ..
ومن ذلك ما ذكره مؤلف كتاب ( الرحيق المختوم ) بقوله : ( .. أمَّا المسلمون فقد فَرَضَ الله عليهم القتال بعد وقعة سرية عبد الله بن جحش في شهر شعبان سنة 2 هـ، وأنزل في ذلك آيات بيّنات : { وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ... } [البقرة :190: 193].
ثم لم يلبث أن أنزل الله تعالى عليهم آيات من نوع آخر، يعلمهم فيها طريقة القتال ، ويحثهم عليه ، ويبين لهم بعض أحكامه : { فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاء اللهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ } [محمد: 4: 7].
ثم ذمَّ الله الذين طفقت أفئدتهم ترجُفُ وتخفُقُ حين سمعوا الأمر بالقتال : { فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ } [محمد: 20]. ) أ.هـ.
ونسوق مثالاً آخرَ ـ على سبيل التوضيح لا الحصر ـ فالوقائع كثيرة ؛ وهو مَا كان في ( معركة الخندق ) حين تَجمَّعت أحزاب الكفر وحاصرت النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته بالمدينة ، فكان إعداده عليه الصلاة والسلام لما قبل هذه الغزوة إعداداً حسياً بحفر الخندق ، ومعنوياً : وهو ( الإيمان والتسليم ) ، بقولهم عند احتدام الموقف ، وتَعَسُّرِ الأمور : ( ولمَّا رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً ) الأحزاب.
زرع الحماس في النفوس عاملٌ معنوي : ومن ذلك ما كان في غزوة أحد ـ وقبل أن تبدأ المعركة ـ كان الرسول صلى الله عليه وسلم ينفث روح البسالة في الجيش ، وهو ظاهر بين درعين ، وحرَّضَ أصحابه على القتال ، وحَضَّهم على المصابرة والجِلادِ عند اللقاء ..
وأخذ ينفث روح الحماسة والبسالة في أصحابه حتى جرَّدَ سيفاً باتراً ونادي أصحابه : ( من يأخذ هذا السيف بحقه ؟ ) فقام إليه رجال ليأخذوه ـ منهم ـ عمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب ، والزبير بن العوام ـ حتى قام إليه أبو دُجَانة سِمَاك بن خَرَشَة ، فقال : وما حقه يا رسول الله ؟ قال : ( أن تضرب به وجوه العدو حتى ينحني ) . قال : أنا آخذه بحقه يا رسول الله، فأعطاه إياه .
وكان أبو دجانة رجلاً شجاعاً يختال عند الحرب ، وكانت له عصابة حمراء إذا اعتصب بها عَلِمَ الناس أنه سيقاتل حتى الموت .. فلما أخذ السيف عصب رأسه بتلك العصابة ، وجعل يتبختر بين الصفين ، وحينئذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن ) .. ولا شك أنَّ القلوب في مثل هذا الموقف يغشاها الخوف وينتابها الهلع إلا قلوباً مؤمنة ، وأنفساً بالله مطمئنة .
الاشتغال بالطاعات قبل المعركة : ومن الأمثلة ـ كذلك ـ ما كان في معركة القادسية وحين اقترب موعد القتال بين صفوف المسلمين وصفوف الكفر ، ولم يبق إلا ليلة واحدة على القتال ومقارعة السِنان ، وإذْ بقائد جيش المسلمين سعد بن أبي وقاص يُرسِلُ عدداً من أفراده ليتفقَّدوا جيش المسلمين في تلك الليلة ، وينظروا أحوالهم ، ومدى استعدادهم النفسي ، وكيف هي معنوياتهم ..
فلما عاد إليه الأعيان ، قال لهم سَعد : كيف وجدتموهم ؟ فقالوا : رأيناهم ما بين ساجدٍ أو قائمٍ أو تالٍ للقرآن .. فما كان من سعدٍ إلا أن كبَّرَ وقال : غداً سننتصر بإذن الله تعالى .. أو نحواً من هذا ، فكان النصر حليفهم .
ولنا أن نتأمل فيما كان من قتيبة بن مسلم قبل بدء المعركة وهو يسوي الصفوف ، وإذا به ينشُدُ عن ابن واسع ويسأل القوم عنه فقالوا له : إنه في ميمنة الصف يبصبص بأصبعه إلى السماء ، كناية على تعلُّقِ قلبه بالله جل وعلا ، الأمر الذي جعل قتيبة يقول : والله لأصبع ابن واسع أحب إلي من مائة سيف شهير وشاب طريد ..
الخُلاصة : لن نطيل كثيراً فالأمثلة ليست بالتي تُحصى أو تُحصَر ، ولكن الذي قصدناه مِن هذا الموضوع هو لبيان أهمية جانب الإعداد المعنوي ، وأنَّ قلوب المسلمين وضمائرهم تحتاج إلى غِذاءٍ روحيِّ ، ليقوىَ الإيمان في النفوس ، فتتهيأ بعد ذلك على حِمل الثقيل مِن البلاء ، ولكي تَثبُتَ عند اللقاء .
كما ينبغي التوضيح بأنَّ هذه الضمائر المسلمة التي نتحدّثُ عنها ، هي ما يَستهدِفها الأعداء اليوم لإفسادها حتى تكون خاوية مِن العقيدة ، تائهةً بين شُبهاتٍ أو شهواتٍ ، بعيدة عن ربها كل البعد ، وذلك عن طريق ما يُسمَّى بالغزو الفكري ، والذي استطاع غسل أدمغة كثير من أبناء المسلمين حتى أصبحت نظيفة مِن الإيمان ، زاهدة في الآخرة مُتَعَلِّقةً بالدنيا وزخرفها ولا حول ولا قوة إلا بالله .
أساسيات الإعداد المعنوي وفيه : تحقيق التوحيد ، والمرتكز في منهج التعليم والإعداد ، ومتى نبدأ البيان والتعليم ، وكم يكفينا من الوقت ؟! هذا ما سأعرضه في المحور الثالث والأخير إن شاء الله فتابعونا ..
الشيخ / جمال بن عبد الله الزهراني
المصدر : ياله من ديـــن