بسم الله الرحمن الرحيم
القوَّة الإيمانية في تحقق الانتصارات الربَّانية ( 3-3 )
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد فإنّه يطيب لي ويسعدني متابعتك - أخي الكريم - لهذا المقال المتواضع ، وأرجو أن تكون قد استفدت مما سَطَّرتُهُ لك في المحورين السابقين ، ووجدتَّ فيهما النفع والفائدة .. ويبقى أن نكشف عن آخِر محور لديّ ، ألا وهو ( المحور الثالث ) وفيه :
أساسيات الإعداد المعنوي :
وأهمُّها .. تحقيق التوحيد : فمِمّا يحتاجه الجندي المسلم لإعداده معنوياً ـ وهي من الأولويات والأمور المسلمات ـ هي تلك العقيدة الصافية الناصعة والتي لا يشوبها شوائب الشرك والمخالفات ، وشوائب السِّحر والبدع والخرافات ، والتي هي من أسباب الهزيمة والخسران ، وهذه بالطبع تحتاج إلى وقت طويل ومستمر ـ للتعليم ـ حتى تصفو النفوس وتتعلق ببارئها ، تخافه وتراقبه في جميع شئون حياتها ، فإذا حانت ساعة النزال فإذا بها نفوسٌ لا تعرف إلا الله ، ولا تخاف إلا الله ، ولا ترجو غير الله ، ولا تستعين إلا بالله ، ولا تسأل إلا الله ..
فَمِنهُ يُستَمَدُّ النصر ، وبه تقوى القلوب الضعيفة ، وتأمَنُ القلوب الخائفة ، وتَثقُ بموعود الله ، إمَّا النصر أو الشهادة .. حينها فمن يقف أمام مثل هذا المؤمن المقاتل ، والجندي المجاهد ، وفي صدره همة تناطح السحاب ، وعقيدة تَتَدكدك أمامها الجبال الأصلاب ، يذود عن الدين والديار ، ويحمي الأموال والذِّمَار ، مؤمن بنصر ربه الذي وعَدَ بقوله : ( يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ) .. ومستبشرٌ وفَرِحٌ بموعود ربه :
( ولا تحسبنَّ الذين قُتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياءٌ عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المحسنين ) آل عمران .
بل ومسارِعٌ ومسابقٌ لبيع أغلى ما يملكه وهي نفسه ، مع علمه أنَّها إذا خرجت لن تعود ، لإيمانه الكامل بأن المشتري هو الله ولن يُخلِفَ سبحانه وتعالى ما وعد : ( إنَّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنَّ لهم الجنَّةَ يُقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويُقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم ) التوبة وهو الذي يرسمُ أجمل وأصدق صوَرَ التوكل على الله في قلبه ، وهو الذي يُضيء نور القين بالله في صدره ، لتصديقه الجازم بقول ربه : ( وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ) ، وقوله : ( ومن يتوكل على الله فهو حسبه إنَّ الله بالغُ أمره قد جَعَلَ الله لكل شيء قدراً ) الطلاق.
معرفة الغاية من القتال: وكما أنَّ لمعرفة الغاية من القتال دور فعَّال في الثبات والإصرار ـ وهو الأمر الذي يتعلق بالإعداد المعنوي ـ فلعلنا نُدرك جميعاً أهمية معرفة الهدف الذي يُقَاتِلُ من أجله ذلك المقاتل ، ويسعى لتحصيله ، بل ويستميتُ من أجل تحقيقه ، ويَثبُتُ عند اللقاء حين تَزِلُّ الأقدام ، ويُقبِلُ على الأعداء يوم يفِرُّ الجبناء وَيوَلُّون الأدبار .
وقد ثبت بالتجربة في كثير من الحروب أنّ الذي يُقاتل لغاية ، أو لهدفٍ قد رُسِمَ له ، ليس كمن قاتل إرغاماً أو مُكرَهاً .. إذا عُلِمَ هذا فكيف بمن يقاتل بعقيدةٍ صحيحة ، خالصة لله تعالى ، يحملها بين جنبيه ، يقاتل من أجلها ، ويحمل نفسه على الموت فداءاً وتضحية لها ؟
المرتكز في منهج التعليم والإعداد : إننا وبعد هذا البيان ، نعلم علم يقين أهمية الإعداد المعنوي ، والذي قد يفوق الإعدادَ الحسِّي أحياناً ؛ فيكون لزاماً علينا العمل الدءوب والمتواصل لرفع الجهل عن أنفسنا ومن ثمَّ عن الآخرين ، تَعَلُّماً وتعليماً .
فهناك علوم كثيرة ينبغي أن يتربَّا عليها الجميع ، بدءاً ببيان أهمية العقيدة وإشباع العقول والقلوب والأرواح بما تحويه من معانٍ وشروطٍ ونواقض ، والأمرِ بالصلاة وبيان عقوبة تاركها ، والحثِّ على حفظ كتاب الله ـ إن تَيَسَّر ـ مع الترغيب ووضع الحوافز التشجيعية ..
وهناك المسائل المتعلقة بالفقه وعلومه ، وكذلك لذيذ الاستمتاع بما جاء في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم من الترغيب والتشويق في مرضات الله تعالى ، وكذا في فضائل الأعمال الصالحة وما لها من الأجور ، ولا ننسى القراءة في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وسيَر السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ..
ثم إنَّ اهتمامنا بهذه الأمور التربوية ـ وفي هذا الوقت بالذَّات ـ لَهُوَ من التعرُّفِ على الله في الرخاء وعسى أن يعرفنا في الشدة. وهذا ما بيِّنه لنا النبي صلى الله عليه وسلم بالأمر العظيم عند وصيته لابن عباس رضي الله عنهما بقوله : ( ألا أعلمك شيئاً ، لعل الله أن ينفعك به ؟ اِحفظ الله يحفظك ، اِحفظ الله يكن أمامك ، إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، تعرَّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة ) ونحن دائماً وأبداً ليس لنا غِناً عن ربنا طرفة عين ، ولا أقل من ذلك .
متى نبدأ البيان والتعليم : إنَّ العِماد في نجاح كل عمل ـ بعد توفيق الله تعالى ـ يكون بسبب وضع دراسة وافية ومستفيضة ، وفيها يكون تحديد وقت البدء ، والفترة المحددة والكافية للانتهاء منها.
كم يكفينا من الوقت : فكم يا تُرى نحتاج من الوقت للتَّعليم والنصح والتوجيه والبيان ، وإيصال المفاهيم الصحيحة لعقول أُمتنا ومجتمعاتنا ، وما هو الوقت المناسب للبدء ؟
هل يكون البدء بهذا العمل التوعوي عند سماعنا لأصوات صفارات الإنذار ، وانتباهنا لقرب خطرٍ يداهمنا ، أو عندما يكون العدو قاب قوسين أو أدنى من مواقعنا ؟؟
بالطبع لا .. بل لابد من العمل الدءوب طوال فترة الإعداد والتعليم ، وذلك ضمن البرامج التربوية والتعليمية سواءً مع ما كان مُقرَّراً في معاهدنا أو مدارسنا التعليمية أو حتى ما يُعرض عن طريق وسائلنا الإعلامية ، وكذلك في الدروس العسكرية لقوّاتنا ، وهو من الرباط في سبيل الله ـ ولا شكَّ أنَّ هذا لمن احتسب وأخلص ـ
وقد جاء في صحيح الجامع الصغير من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا و ما عليها ، و موضع سوطِ أحدكم من الجنة خير من الدنيا و ما عليها ، و الروحةُ يروحُها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا و ما عليها ) .
الخاتمة :
وقبل الختام ـ أخانا القارئ المثقّف ـ أُحِبُّ أن أُبيّنَ أن هذا الإعداد المعنوي لا تقتصر نتائجه الإيجابية على دور المؤمن في المعارك فقط ، وإنَّما هي مِن التربية للنفس ، واستعدادها لتلَقِّي أوامر الله ونواهيه بطواعية ..
وكذلك على الصبر عند إقبال الفتن والبلايا والتي هي من الله ـ تبارك وتعالى ـ لامتحان الإيمان في قلوب العالمين ، وإنّما ذكَرتُ المعاركَ وما ينبغي أن يكون عليه المقاتل لكي نلمسَ صُلبَ الموضوع والهدف المنشود بصورةٍ واضحة وبيّنة ، ولكي يستفيد منها المؤمن سواء أكان في جهاده أم ما كان في عموم حياته كلِّها ، وتبدو هذه الغاية المنشودة واضحة في مخاطبة الله تعالى لعباده بقوله : ( ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقصٍ من الأموال والأنفس والثمرات .. ) .
وكانت الحكمة من هذا الخطاب الرباني هي التربية على الصبر في ذات الله حين نزول مثل هذه البلايا وغيرها ، حيث قال : ( وبشِّر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون أُولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ) البقرة .
فكان خطاباً بمثابة التهيئة والإعداد النفسي ، حتَّى تَعرِفَ فن التعامل عند الملاقاة ، نرجو الله أن نكون قد وفِّقنا إلى ذلك سبيلاً .. اللهم ارزقنا الإيمان الكامل واليقين الصادق وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
ِ
أخوكم الفقير إلى عفو ربه /
جمال بن عبد الله العُمري الزهراني
المصدر ياله من ديــــن