بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أحببت أن أنقل لكم جزء من
محاضرة ( إلى الشباب ) للشيخ (محمد حسان حفظه الله )
جزى الله من دلّني عليها ..
فقه التغيير
قضية الفهم عن الله ورسوله من أخطر وأهم القضايا، إن غاب الفهم لمراد الله وإن غاب الفهم لمراد رسول الله قد نضر ديننا غاية الضرر، وقد نفسد ونحن نريد الإصلاح، وقد نضر ونحن نريد النفع، إن غاب الفهم ربما نخطئ في قضية كبيرة من أخطر وأهم القضايا ألا وهي قضية تغيير المنكر، وهذا هو عنصرنا الثالث بإيجاز: فقه التغيير.
أخي الحبيب! الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في هذا الدين، وهو من أشرف المهام التي ابتعث الله لها النبيين والمرسلين، بل ولو طوي بساطه وأهمل علمه وعمله لتعطلت النبوة، واضمحلت الديانة، وفشت الضلالة، وعمت الجهالة، واستشرى الفساد، وخربت البلاد، وهلك العباد، ولن يشعروا بذلك إلا يوم التناد، وقد أمر الله به في كثير من آيات القرآن، وفرضه على أمة النبي عليه الصلاة والسلام، بل وأجمعت الأمة على وجوبه باتفاق، وجعله الله شرطاً من شروط خيرية أمة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110]، وقال جل وعلا: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران:104]، وما أكثر الآيات! فنحن جميعاً الحكام والعلماء وعامة الناس الصالحين وغيرهم، نحن جميعاً نركب سفينة واحدة إن نجت نجا الجميع، وإن غرقت غرق الجميع، غرق الصالحون مع غيرهم، قال تعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال:25]، وفي صحيح البخاري من حديث النعمان بن بشير أنه صلى الله عليه وسلم قال: (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً حتى لا نؤذي من فوقنا -قال صلى الله عليه وسلم-: فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا وهلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعاً). وفي الصحيحين من حديث أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها: (أن النبي استيقظ من نومه عندها فزعاً)، وفي لفظ: (دخل عليها يوماً فزعاً وهو يقول: لا إله إلا الله! لا إله إلا الله! ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه -وحلق النبي بإصبعيه السبابة والإبهام- فقالت أم المؤمنين زينب رضي الله عنها: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث)، وأنا أقسم بالله لقد كثر الخبث، قال: (نعم إذا كثر الخبث). روى الإمام أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه بسند صحيح من حديث أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: (سيأتي على الناس سنوات خداعات يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة. قيل: من الرويبضة يا رسول الله؟! قال: الرجل التافه -وفي لفظ: الرجل السفيه- يتكلم في أمر العامة)، صدق المصطفى والله. وراعي الشاة يحمي الذئب عنها فكيف إذا الرعـاة لها الذئاب (وينطق فيها الرويبضة، قيل: ومن الرويبضة يا رسول الله؟! قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة) واقع مرير. إذاً فنحن جميعاً ركاب سفينة واحدة، ولا يجوز لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يرى المنكرات أمام عينيه وبين يديه ثم يهز كتفيه ويمضي وكأن الأمر لا يعنيه لا من قريب ولا من بعيد، ما دام يأكل ملء بطنه وينام ملء عينه ويضحك ملء فمه، لا، قال صلى الله عليه وسلم -كما في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد-: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان).
ضوابط تغيير المنكر باليد والقلب
التغيير باليد له ضوابط حتى لا نضر، ألا تستطيع أن تغير بيدك بكلمة رقيقة جميلة حلوة؟ تستطيع -والله- أن تغير بها، فما عليك إلا أن تبذر بذراً صحيحاً، أعني: بالقرآن والسنة بفهم السلف، ودع النتائج بعد ذلك إلى الله؛ فإن هداية التوفيق ليست بيد ملك مقرب، ولا نبي مرسل، إنما هي بيد الله تبارك وتعالى وحده، فما عليك إلا أن تتحرك بين الناس بأدب وحكمة ورحمة وتواضع لتبلغ عن الله وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودع النتائج بعد ذلك إليه تبارك وتعالى، غير بلسانك، ولا عذر لك أمام الله جل وعلا إن لم تغير المنكر بقلبك، قد لا تستطيع أن تغير بيدك، وقد لا تستطيع أن تغير بلسانك، لكن لا عذر لك أمام الله إن لم تغير بقلبك،
فإن قلت: كيف أغير بقلبي؟
قلت: لابد لذلك من شرطين:
الأول: أن يرى الله من قلبك بغضك لهذا المنكر.
الثاني: أن تزول أنت بنفسك عن المكان الذي ترى فيه المنكر الذي عجزت عن إزالته إن استطعت ذلك.
أما أن تأتي وتجلس -مثلاً- أمام فلم من الأفلام، ويعرض الفلم لقطة من لقطات الرقص الشرقي -مثلاً- وأنت جالس وتتصور أنك منكر لهذا المنكر فلا، فتراه جالساً وهو ينظر، ثم هو يريد أن يقنع نفسه بأنه منكر، فيقول: أستغفر الله، أستغفر الله، استغفار الكاذبين، اللهم! اجعلنا من الصادقين. فلابد أن يرى الله من قلبك بغضك للمنكر، هذا أمر، وأن تزول أنت عن مكان المنكر الذي عجزت عن إزالته إن استطعت أن تترك هذا المكان، وإلا فقد لا يستطيع أحد إخواننا، فيرى الله من قلبك بغضك لهذا المنكر؛ لأنك قد تكون في (أتوبيس) عام مثلاً، ويعرض فيلماً أنت لا ترضاه، فذهبت إلى السائق بأدب جم وأنت تحمل شريطاً آخر لعالم من العلماء وقلت: يا أخي! نريد أن نرى هذا الشريط فقال: لا، اجلس أيها الإرهابي. وأنت لا تستطيع النزول، فاجلس وافتح كتاب الله عز وجل وانشغل به، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلني وإياك من الصادقين.
لزوم الموازنة بين المصالح والمفاسد في إنكار المنكر
لكن انتبه -يا أخي الحبيب- فالتغيير باليد له فقه وضوابط، وقلت: الأمر لا تحكمه العواطف، ولا تحكمه الغيرة على الدين بقدر ما تحكمه الضوابط الشرعية، التغيير باليد إن ترتب عليه منكر هو أكبر من المنكر الأصلي الذي تريد تغييره، فلا يجوز لك أبداً أن تقدم عليه لتغيره. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: يجب على من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أن يكون فقيهاً فيما يأمر به، فقيهاً فيما ينهى عنه، رفيقاً فيما يأمر به، رفيقاً فيما ينهى عنه
.
قال ابن القيم رحمه الله -وعض على هذا الكلام بالنواجذ- في كتابه الماتع (إعلام الموقعين): إن النبي صلى الله عليه وسلم قد شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر؛ ليحصل من المعروف ما يحبه الله ورسوله، فإن كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر من المنكر فهو أمر بمنكر وسعي في معصية الله ورسوله، ولقد كان النبي يرى بمكة أكبر المنكرات ولا يستطيع تغييرها.
وقد يرد على هذا الاستدلال أن تلك كانت مرحلة استضعاف، والجواب ما قاله ابن القيم، حيث قال: بل لما فتح الله عليه مكة وصارت مكة دار إسلام، وعزم النبي على هدم البيت الحرام ورده على قواعد إبراهيم لم يفعل النبي ذلك مع قدرته على فعله؛ لأن قريشاً كانت حديثة عهد بكفر وقريبة عهد بإسلام.
هذا هو كلام العلماء، فلابد أن نراجع العلماء. ولابد من الموازنة بين المصالح والمفاسد، لا تزعم لنفسك -يا أخي- أنك أغير على الدين من غيرك، ولا يجوز لي أن أدعي لنفسي أنني أغير على الدين منك أو من غيرك، من أعطاني هذا الحق؟ ومن أعطاك هذا الحق؟ لابد من الموازنة الدقيقة بين المصالح والمفاسد، وهذا لا يحسنه متهور ولا جبان، المتهور سيضرك بتهوره، والجبان سيضر بخذلانه وسلبيته، لكن ضرر المتهور أخطر، والقضية تحتاج إلى موازنات دقيقة بين المفاسد والمصالح، وخذ مني هذه العبارة، وأرجو الله ألا تنسوها: ليس من الفقه أن نسقط أحكام العز والاستعلاء التي مرت بها الأمة على أوقات الذل والضعف والهوان التي تمر بها الأمة. فإن قيل: أين الدليل على هذا التأصيل الذي أصلت قلت: الأدلة كثيرة، فكلنا يعلم الشروط الجائرة الظالمة التي قبلها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديبية، والأيام دول يا شباب، قال تعالى: وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران:140]، ليس معنى ذلك أن نخضع وأن نخنع، بل يجب أن نعد العدة، كما قال ربنا: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال:60]. لكن ليس من الحكمة أبداً أن أقوم العمود الصخري وأنا مصر على أن أحطمه برأسي، سيتحطم رأسي ويبقى العمود صامداً شامخاً كما هو، فلا ينبغي أن نسقط أحكام العز والاستعلاء على الأمة في وقت الضعف والذل والهوان. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لـعلي بن أبي طالب في الحديبية -والحديث في الصحيحين-: اكتب -يا علي- بسم الله الرحمن الرحيم. فيعترض رسول قريش على البسملة، ووالله لو فعل هذا الآن لطاشت عقولنا، ورسول الله بين أظهر الصحابة، يقول سهيل بن عمرو : أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب: باسمك اللهم. فيقول الصحابة: والله لا نكتبها إلا (بسم الله الرحمن الرحيم)، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم : (اكتب -يا علي- باسمك اللهم). فهذا هو النبي عليه الصلاة والسلام، واعلم -يا أخي- أن السيرة ليست قصة فقط؛ لأن كثيراً من الناس يسمع الآن السيرة ويخرج وكأنه قد استمع إلى قصة أبي زيد الهلالي، أو إلى قصة عنترة وينسى أن هذا منهج تربوي كامل. (اكتب -يا علي- باسمك اللهم)، فيكتب (باسمك الله). ثم قال: (اكتب هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، فقال سهيل بن عمرو: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله. فيقول النبي لـعلي : يا علي ! امح (رسول الله)) أي: امسح كلمة (هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله). فيقوم سيدنا علي ويقول له: لا والله، والله لا أمحوك أبداً. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أرني يا علي !)، لأن النبي كان لا يقرأ عليه الصلاة والسلام، فيطلب النبي صلى الله عليه وسلم من علي أن يشير له إلى موضع الكلمتين الكريمتين، فيمحو النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه (رسول الله). ثم قال: (اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله قريشاً: أن تخلي بيننا وبين البيت لنطوف به. قال: لا والله لا تدخلونه هذا العام؛ حتى لا تتحدث العرب أنا قد أخذنا ضغثة -يعني: دخلتم رغم أنوفنا-، ولكن اكتب ذلك من العام المقبل. فقال النبي: اكتب يا علي: وذلك من العام المقبل)، وبدأ سهيل بن عمرو يقول: اكتب يا علي ! ثم يقول سهيل بن عمرو : (ونصالحك على أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا. وكل بند لا يطاق، لكن كان هذا خطيراً جداً، فالمسلمون قالوا: سبحان الله! يرد إلى المشركين وقد جاء مسلماً! إلى آخر القصة المعروفة. فأنا أرجو من شبابنا أن يكون فاهماً، وأن يكون على بصيرة، وأن يعلم أن الأيام دول، إن مرت الآن الأمة بمرحلة استضعاف فقد مرت الأمة بمرحلة طويلة جداً من التمكين والعز، فلا ينبغي أن نيأس أبداً أو أن نقنط أو أن نستسلم أو أن نصاب بالهزيمة النفسية. فلئن عرف التاريخ أوساً وخزرجاً فلله أوس قادمون وخزرج وإن كنـوز الغيب تخفي طلائع حرة رغم المكـائد تخرج
نفعكم الله ..