قبل أن ينصرف المعلمون
بلا شك اننا تعودنا على منظر الطلاب وهم يحملون حقائبهم على ظهورهم على اختلاف احجامها وأوزانها باختلاف المرحلة التعليمية.. وسبب هذه الصورة النمطية هو ان هذه الحقائب وما تحويه من مقررات دراسية هي الركن الاساسي في التعليم لدينا، هذا الركن الذي لا أعلم كيف وضعناه على عاتق الصغار في حين تخلى عنه الكبار وتهربوا منه.. انظروا الى حال المعلمين الذين هم المسؤولون بالدرجة الاولى عن العملية التعليمية ومع ذلك فمن النادر ان ترى احدهم يحمل حقيبة في يده أو يحضر معه دفتر التحضير أو حتى قلما في جيبه!!
وبذلك نكون امام صورة معكوسة لواقع التعليم الاساسي بيننا وبين الغرب، الذي اعيش فيه حاليا، تجد ان الفصل والبيئة المدرسية عندهم بها كل المقومات التعليمية التي تخدم المفاهيم والمعارف والخبرات التي يرجى إكسابها للطلاب وبطريقة ترفيهية وجماعية.. فطلابهم لا يحملون حقائب ولا كتبا الا لمن أراد ان يحضر بعضا من اشيائه الشخصية كالطعام او الشراب او الملابس اضافة الى ان مناهجهم تخلو من التعقيد والتطويل والتكرار الممل، ولا يكلف الطالب بواجبات منزلية الا نادرا وان حصل هذا التكليف فهو من باب القراءة الحرة وتنمية القدرات الذهنية، لذا فإن الطالب لديهم يعود الى منزله تاركا المدرسة وراء ظهره وكل همه ان يشغل بقية يومه مع اهله واصدقائه ومشاهدة التلفزيون وبعدها يخلد للنوم مبكرا منشرح الصدر متطلعا الى لقاء معلميه واصدقائه مجددا.
فقد لاحظت ان المعلم في بلاد الغرب يقع عليه عبء الاعداد والتجهيز وتوفير كل المقومات اللازمة لتنفيذ الدرس بأفضل طريقة ودوره بعد ذلك ينحصر في الجلوس مع الطلاب وتوجيههم ومتابعتهم وتقديم العون والمشورة، ولا يتصرف كالطاووس بل انه يتظاهر امام طلابه بأنه يتساءل مثلهم ويبحث معهم حتى يصلوا للمعلومة والهدف المنشود بأنفسهم وبطريقة النقاش والحوار والجهود الجماعية المثمرة التي تضمن حرياتهم الشخصية لكن بشرط احترام آراء وشخصيات الآخرين. وبالرغم من عدم وجود مناهج كثيرة وحشو معلوماتي في التعليم في بريطانيا الا ان المعلم يبذل جهودا جبارة في التخطيط والتجهيز للأنشطة والدروس التي سيقدمها في اليوم التالي، لذا تجده يعمل بلا كلل او ملل مرة على شاشة الكمبيوتر ومرة في ترتيب الطاولات بالشكل المناسب ومرة اخرى في توزيع الاقلام والاوراق وما شابهها ورابعة في تصوير الاوراق وربما عمل بعض المجسمات وخامسة يصحح فيها ويقيّم اوراق وانشطة طلابه ويسجل عليها ملاحظاته وسادسة مع مدير المدرسة وزملائه للتنسيق والتشاور، والاهم من ذلك كله انه يعمل مخططا زمنيا واضحا ومكتوبا لكل النشاطات والمهام التي سينجزها في اليوم التالي حتى لا يترك المجال لانتهاء وقت الحصة دون إكمال المهمة التي يرجو تنفيذها وايصالها للطلاب.
اما حال المعلمين في مدارسنا فهو على العكس مما ذكرت سلفا، فالمعلمون ينصرفون مع طلابهم بل ان بعض المعلمين احرص من طلابهم على الانصراف المبكر!! وذلك لأن مناهجنا معظمها نظرية ومعتمدة على حقيبة الطالب وطول المناهج وحشوها لا يسمح بتطبيق كثير من النشاطات حتى وصل الامر بأن كثيرا من معلمينا متذمرون من اسهل وسيلة إعداد وتجهيز يمكن تصورها الا وهي دفتر التحضير الذي يطالب الكثيرون بإلغائه، لأنه ذو فائدة محدودة في نظرهم فهو ليس إلا مجرد اعادة نقل للمفاهيم والعناوين الرئيسية الموجودة في الكتب التي يحملها الطالب على ظهره يوميا، فلماذا نرهق المعلم المسكين بإعادة نقلها؟!
هل تصورتم أيها الكرام ما اعنيه هنا؟ ما ذنب ابنائنا المساكين لكي نحملهم تبعات تعليمهم؟ كيف سمحنا لأنفسنا بأن نقف موقف المتفرج على ابنائنا وبناتنا الذين هم أشبه ما يكونون بأكثر من خمسة ملايين عربة نقل متحركة لحمل الكتب والامتعة!!
ألسنا بهذه الطريقة كأننا نقول لأبنائنا: كي تتعلموا عليكم ان تحملوا على ظهوركم وان تحشوا أدمغتكم وان تشغلوا وقتكم حتى في بيوتكم بحل واجباتكم وحفظ مقرراتكم وتعيشوا الهم ليلا ونهارا وبعد هذا العناء والنكد عليكم ان تكونوا ناجحين مخلصين واعدين بمستقبل زاهر!!.
ابوعمرو احمد ابوعمرو