اعتاد منظرو الأدب على تقسيمه إلى عصور. وتجاوز بعضهم العصر إلى مراحل، عَمّروا كل مرحلة بسنوات عشر، فقالوا بالعصر الحديث أي اعتمدوا العقد وحدة في حسابات العصر. فقالوا في العشرينات ويقصدون (1920 ـ1929م) وقاسوا في ذلك الأربعينات والخمسينات.
أقدم هذا القول لأصل إلى حديث شاع في أدبنا العربي في العراق عُرف بأدب الستينات أو شعر الستينات. وكأن هذه (الستينات) اختلفت سنونها عطاءً عن باقي سنوات القرن العشرين الفائت حتّى أوقفوا قطار التجديد أو الحداثة عند هذه المحطة الستينية لا يغادرونها وقد نسوا أن أية محطة في مسار التطور الأدبي لا تشكّل فيه السنوات إلا امتداداً يربط ما قبل بما بعد على وفق قانون الزمان العام الذي يشد الحاضر إلى طرفين، ماضٍ ومستقبل. وهذا يعني أن جيل الستينات لا يختلف عن جيل الخمسينات لكونه صلة حاضرة، ولا عن جيل السبعينات لكونه صلة مستقبلية. وإن كانت الخمسينات ماضياً وكانت السبعينات قادماً. ولا يخرج عن هذه القاعدة إلا التجديد المخالف لتطور النوع الأدبي كما حدث في أواخر الأربعينات عندما تمرد هذا الجيل على القصيدة العربية وجاء بما عُرف وقتها بـ"الشعر الحرّ".
وما دام حديثنا عن الأدب وشعريته، فإن هذا الاستثناء لا ينطبق على شعر الستينات لأنَّ الذين سبقوهم رفعوا ورقة التجديد عندما تمردوا على القصيدة العربية، أقصد الروّاد: بدرشاكر السيّاب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي وغيرهم كجيل من الشعراء على ما اشترطه المرزوقي (ت/ 421هـ) في عمود الشعر عند العرب وهو يشرح ديوان الحماسة لأبي تمام محدداً إياه بسبع خصال(1). أقول خرج هؤلاء تاركين بحور الخليل إلى تفعيلاته وقد حصروا همّهم في البحور الخفيفة مزاوجة بينها كي تستوعب متغيرات التعبير بفعل عوامل خارجية وأخرى داخلية. وجددوا دون أن يُسَمّوا المجدد مدى ليست بالقصيرة. فقالوا بالشعر الحرّ خروجاً على الشعر الموزون المقفى وقالوا بالشعر المنطلق ضد الشعر العمودي المقيّد، وقالوا بالشعر الجديد تميزاً عن الشعر القديم وغيرها من تلك المسميات التي لم يستقروا على أحدها حتّى أواخر القرن العشرين حين ساد مصطلح (شعر التفعيلة) وفيها حاول الشعراء أن يقولوا: إنّ ما جاء به مجددو الشعر في أواخر الأربعينات لا يخرج عن قوانين الخليل العروضية، وهذا ما دفع بالشاعر علي الطائي إلى القول في بيانه الشعري عن القصيدة الأدائية(2): (قصيدة التفعيلة اكتفت بتحديث الشكل، وأبقت على فنون القصيدة العمودية، وقصيدة الشعر الحرّ لم يكتبها السيّاب ولا غيره!)، وهو يقصد بمصطلح قصيدة الشعر الحرّ غير ما شاع اسماً لتجديد جيل الروّاد، ذلك أن هذا المصطلح يطلق في اللغة الإنكليزية ويُراد به (التعبير تجاوزاً للدلالة على الشعر غير المقفى المتحرر من قيود العروض وقواعده التقليدية المتعارف عليها. وكثيراً ما يتبدّل الجرس وبخاصة جرس الكلام العام، بالوزن التوقيعي. وقد أطلق اصطلاح الشعر الحرّ على شعر (وولت ويتمان/ 1819 ـ 1892) وشعر بعض الأدباء الآخرين من أمثال ازراباوند وايمي لوول، وجون جاولد فليتشر، وت.س.إليوت)(3).
إن التطوّر الذي حصل في القصيدة العربية على يد الروّاد كان في بداياته هشاً ـ وهذا أمر طبيعي ـ قياساً إلى قصيدة لها تأريخ ـ العربية القديمة ـ قيّدت الشاعر إلى خطابية عند الإلقاء، وأذن لمتلقٍ وجد في الوزن والقافية مستقراً وعافية، يدلل على المسموع تلقياً بهز الرأس وسط أصوات طلب إعادة المنشود، إن طاب لـه السماع، وكان الله بعون الروّاد وهم يحاولون تغيير مسار التلقي من السماع إلى القراءة بإيجاد متسع بديل لما يتلقى. ولم يحدث ما حدث إلا بفعل وعي المجددين وإن اختلف وعي هؤلاء أو سبقهم الزمني بالرغم من كونهم من جيل واحد عاش معاناة التخلف الحضاري والتباين الاجتماعي والثقافي. فإذا دخلنا معركة الستينات (1960 ـ 1969) فإن العراق قد مرّ خلال هذه السنوات بصراع سياسي مرير هدّت قواه السياسية بعد ثورة 14 تموز 1958م. وهزّته نكسة حزيران 1967 من بعد ذلك. وكان الثمن الذي دُفِع غالياً اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً وأثر ذلك في أدبائه، شعراء وقصاصين.
كان من انعكاسات الإحباط السياسي أن ظهر جيل ضائع أو في طريقه إلى الضياع يجد السلامة في الابتعاد عن الصراع. وهذا ما فتح الباب لسدّ الفراغ الفكري بتطرّف ثوري أو وجودي أو عبثي يَنْشَدّ إليها ممَّن تعاطى الثقافة عامة والأدب خاصة، لأنَّ تلك التيارات كانت تمثل حداثة العصر، والبديل المتوفر في الساحة الذي يمتلك لغةٍ مدّت جسوراً من خلال ما تنشره مطابع لبنان ويصل إلى القارئ العراقي مترجماً أو بلغته الأصلية لمن تمكّن منها وسط خيمة التخلّف والحاجة الاقتصادية والعوز المادي الذي تحكّم بأبناء هذا الجيل، فكانت المقاهي خير نوادٍ ثقافية لا تكلّف إلا القليل، وهي تقدم لهم قراءة مجانية في الصحف المحلية مع علمنا أن الذي يكتب فيها لا يشبع من جوع ثقافي ولكنهم يردّدون قول (ناتالي ساروت): (إن المقهى تبعث بشيء من الطمأنينة... إنني أحس فيه وكأنني على سفر، إذن هناك البشر الذين يحيطون بي، وفي الوقت نفسه أنا وحيدة، إذ ليس هناك من يهتم بي)(4).
ذلك كله يراه القارئ العراقي ويراقبه، فإن قارن الأمر بما تقدمه مطابع بيروت أو القاهرة يجد نفسه بعيداً عن الساحة الثقافية لا يمتلك حضوراً فيها. وهذا ما خلق إحباطات في ذاتية المثقفين مرّة أخرى. وربما يعترض أحدهم قائلاً: وهل يختلف جيل المجددين من الروّاد عن جيل الستينات في الظرف السياسي المحبط والاجتماعي المتخلف والثقافي البائس؟ يكون الجواب نعم بالروح المعنوية المصرّة على التغيير، هذه الروح لم تكن عند أدباء الستينات. وشاهدي إلى ذلك أنًّ الرّواد قدموا جديدهم أواخر الأربعينات وساد في الخمسينات ولم يحدث هذا مع الجيل الثاني حيث راوح تجديدهم إلى تجريب شكلي أو هيكلي هندسي للجملة الشعرية، بل تجاوزا هذه الجملة إلى الخطوط والأرقام. وهذا ما دعا دارسي هذا الشعر إلى القول إنَّ هؤلاء الشعراء امتلكوا كمية من الرفض ضد شعرية الرّواد وتمرداً على تجديدهم لا يوازي قدراتهم اللغوية والإبداعية لخلق البديل المطلوب شكلاً ومضموناً وإن كان ذلك لا يعني حكماً على الجميع بخلاف الشعراء الّرواد الذين قدموا أنفسهم على استحياء وتردد وهم يمتلكون قدرة على التجديد في وسط لا ينظر إلى المجدد نظرة تنأى به عن الاستخفاف علماً ومراناً على قول الشعر أو إبداعه. ولم تكن هذه متوفرة عند شعراء الستينات إلا في أواخر ذلك العقد حيث بدأت اشرقات جديدة أسهم وعي التجديد بها والتي مهدت لظهور حيل آخر هو جيل السبعينات إنْ جاز لنا الالتزام بالتقسيم العشري لدراسة الأدب في العصر الحديث!
والسؤال الذي يعترضنا هو ماذا قدّم جيل الستينات إلى أدبنا؟ وقد يردفه بعضهم بسؤال آخر عن ظاهرتين برزت في شعرية هذا الجيل هما: الغموض في القصيدة والمساهمة في نشر قصيدة النثر؟
1 ـ
مات الشاعر بدر شاكر السياب في 24/ 12/ 1964 مبكراً من بين الرّواد الثلاثة الذين تصدروا لتجديد القصيدة العربية الحديثة. وكان ديوانه "منزل الأقنان" آخر ما صدر لـه في حياته، فإن قرأته تجد أنه ينعى نفسه كثيراً وتحتل لفظة الموت ومشتقاتها أو المرادفة لها مكانة في الديوان تلفت نظر القارئ، وهو هنا لا يريد أن يثير عطف القارئ قدر ما يريد الحديث عن إنسان يواجهه الموت ولا قدرة لـه على ردّ تداعياته في جسده المنهك ولذا تراه يقول(5).
"في نفس شاعر يموت عمره، /ويقبر/ يمشي على عكازة ويعثر/ أيامه إلى رداه سفرُ / وعيشه انسلال / عبر جدار الموت لا يزال / شاء الرّدى حاول أن يُريده / لكن وحشاً ضارياً يزمجرُ / يطير نحو الموت منه شرر"
هذا التداعي والاقتراب من الموت سجله في العام نفسه الذي مات فيه فترك مكانه فارغاً إلا من رومانسية قصائد نازك الملائكة وصوفية قصائد عبد الوهاب المطعمة بثورية ألفاظ كثر تداولها حتّى دفع بما يمكن أن نسميه جيل الستينات إلى القول إن الشعراء الرّواد لم يكونوا على وعي كافٍ بما قاموا به من تجديد في شكل القصيدة العربية