قال سبحانه وتعالى ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ...)
في معنى هذه الآية عند العلماء ثلاثة أقوال :
أحدها : أن المعنى فاذا أردت قراءة القرآن فاستعذ ، لأن المقصود من الاستعاذه نفي وساوس الشيطان عند القراءة ولا يكون ذلك إلا بتقديم الاستعاذه على القراءة .
قال القسطلاني : المعنى الذي شرعت له الاستعاذة يقتضي أن يكون قبل القراءة ، لأنها طهارة للفم مما كان يتعاطاه من اللغو والرفث وتطيب له وتهيؤ لتلاوة كلام الله فهي التجاء إلى الله واعتصام بجنابه من خلل ما يطرأ عليه أو خطأ يحصل منه في القراءة وغيرها .
قال العلماء : ومثل هذه الآية قوله تعالى ( إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ... ) [ المائدة 6 ] وقوله ( وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ) [ الأحزاب 53 ] وقوله ( إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ) [ المجادلة : 12 ]
ومثله في الكلام إذا أكلت فقل باسم الله .
وهذا قول جمهور العلماء من اللغويين والمفسرين .
ففي الكلام تقديم وتأخير ـ قال العلماء ـ وهذا جائز في كلام العرب لأن كل فعلين تقاربا في المعنى جاز لك تقديم إيهما تريد واستدلوا بقوله تعالى ( ثم دنا فتدلى ...) قالوا والمعنى : فتدلى ثم دنا . أو أن الماضي وقع موقع المستقبل أي أن قوله (فإذا قرأت ) وقع موقع : أن تقرأ .
قال الزمخشري : فإن قلت : لم عبر عن ارادة الفعل بلفظ الفعل ؟ قلت : لأن الفعل يوجد عند القصد والإرادة بغير فاصل وعلى حسبه فكان منه بسبب قوي وملابسة ظاهرة .
و قال ابن عطية : فإذا واصلة بين الكلامين والعرب تستعملهما في مثل هذا .
والثاني : أن الكلام في الآية الكريمة على ظاهره ، وأن الاستعاذة تكون بعد الانتهاء من القراءة لا قبلها وروي ذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه وداود الظاهري والنخعي وابن سيرين .
وحجتهم ظاهر الآية ، وأن قوله ( فإذا قرأت ..) شرط وقوله ( فاستعذ ..) جزاء والجزاء متأخر عن الشرط فوجب أن تكون الاستعاذة متأخرة عن القراءة .
وهذا موافق للعقل : لأن من قرأ القرآن الكريم يكون قد استوجب الثواب العظيم فلو دخله العجب في أداء تلك الطاعة سقط ذلك الثواب لذلك أمره الله تعالى بالاستعاذة من الشيطان لئلا يحمله الشيطان بعد القراءة على عمل يحبط تلك الطاعة .
والثالث : أنه من المقدم والمؤخر فالمعنى فاذا استعذت بالله فاقرأ قاله أبو حاتم السجستاني .
وأكثر العلماء على ترجيح الرأي الأول مع تضعيف الرأيين الأخرين .
والصحيح أنه لا تعارض بين الرأي الأول والثاني .
فهناك استعاذتان : الأولى قبل القراءة ، والثانية بعد القراءة .
يؤيد الاستعاذة قبل القراءة ما هو معروف من أحوال المصطفى صلى الله عليه وسلم من أنه كان يستعيذ بالله تعالى من الشيطان الرجيم قبل قراءة القرآن الكريم وفعل الصحابة الكرام ومن بعدهم الكرام كما أن قرائن الأحوال تؤيد ذلك .
ويؤيد الاستعاذة بعد القراءة ظاهر الآية الكريم وقواعد اللغة العربية [ ولا يشترط في هذه الاستعاذه التلفظ بها وإنما المقصود أن تكون الاستعاذة ملازمة للقلب لان المقصود من قراءة القرآن تطبيقة وهذا يحتاج إلى استمرار على الطاعة وثبات ولا يستطيع الإنسان أن يبقى مستعيذا باللفظ ، كما أنه لم ينقل عن أحد من العلماء .
والقرآن الكريم فيه الكثير من الأحكام والآداب الإسلامية التي يجب على المسلمين الالتزام بها ، والشيطان الرجيم يجتهد على الإنسان في عدم تطبيقها .
وتطبيق هذه الأحكام لا يمكن إلا بعد معرفتها أولا ومعرفة ذلك تكون بالقراءة ، ثم إذا عرفها فإنه لا يستطيع تطبيقها إلا بعون الله تعالى له
ولذلك فالشيطان الرجيم يجنهد على الإنسان الذي يقرأ القرآن الكريم مرتين :
مرة قبل القراءة حتى لا يقرأ القرآن أصلا ، أو يصرف قراءته إلى الشر كأن يقرأ رياء أو ليأخذ الأجر المادي في الدنيا دون رغبة فيما عند الله .
ومرة بعد الانتهاء من القراءة وذلك بأن يمنعه من تطبيق الآداب والأحكام التي قرأها .
ولهذا كان على قارئ القرآن أن يستعيذ مرتين الأولى تكون بالتلفظ بها قبل القراءة والثانية تكون ملازمة لقلبه أبدا لا تغيب عنه بعد القراءة والمعرفة ، .
والدليل على صحة ما أقول أن جميع آيات القرآن الكريم الواردة في الاستعاذة جاءت بعد الأمر بآداب وأخلاق اسلامية رفيعة وعالية يصعب على كثير من الناس تطبيقها بدون لجوء إلى الله تعالى لأن الشيطان للإنسان بالمرصاد ولكن كيده والحمد لله رب العلمين ضعيف لا يؤثر في المؤمن القوي .
ولذلك انظر إلى قوله تعالى (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله ... ) [ لنحل : 98] تجد أنه جاء بعد قوله تعالى ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ) الآية 90
وقوله ( وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون ) الآية91
وقوله ( ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون ) الآية 92
وقوله ( ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم ) الآية 94
وقوله ( ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون ) الآية 95
وقوله ( ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) الآية 96
وقوله ( من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون )الآية 97
وقوله تعالى (وإما ينزغنك من اشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم ) [ الأعراف : 200]
قد جاء بعد قوله تعالى ( خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ) الآية 199
وقوله ( وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين * وأعوذ بك رب أن يحضرون ) [ المؤمنون : 97، 98 ]
جاء بعد قوله تعالى ( ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون ) الآية 96
وقوله تعالى ( وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هوالسميع العليم ) [ فصلت :36 ] جاء بعد قوله ( ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين * ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فاذا الذين بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم * وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ) [ فصلت : 33 ـ 35 ] .
وقوله تعالى ( قل أعوذ برب الفلق ..)
( قل أعوذ برب الناس ..) قد جاء في سورتين ختم بهما القرآن الكريم .
وفي هذا الختم علاقة بالاستعاذة من ناحيتين :
الناحية الأولى : غالبا ما يقرأ الإنسان هايتين السورتين وهو صغير جدا ويكون ذلك قبل أن يقرأ شيء قبلهما .
أو عند ختمه للقرآن الكريم في قراءة متصلة ويريد الشروع في ختمة وقراءة جديدة .
والتحليل أن الله تعالى جعل الطفل الصغير يبدأ بتعلم القرآن الكريم بهما ليحفظه من الشيطان الذي قد يصرفه عن القراءة .
ويقرأ بهما الكبير عند ختم القرآن الكريم لأمرين :
الأول : لأنه يحتاج إلى تطبيق ما قرأ .
والثاني : لأنه يريد الشروع في قراءة جديدة . فيستعيذ حتى يتمكن من القراءة والتطبيق .
فانظر يا اخي الكريم إلى عظمة هذا الكتاب المجيد ، وإلى عظمة الأسرار التي فيه ..
أسأل الله تعالى أن ينفعنا بما علمنا وأن يعلمنا ما ينفعنا إنه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه .