بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مسائل وفوائد عن زكاة الفطر
إن رسول الله قد فرض على المسلمين زكاة الفطر بأمر الله جل وعلا ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى ).
فرضها لتطهير الصائم مما يحصل في صيامه من نقص ولغو وإثم ، والصدقة تطفئ غضب الرب .
فرضها إحسانا إلى الفقراء وكفاً لهم عن السؤال في أيام العيد ليشاركوا الأغنياء فرحهم وسرورهم به ، فيكون عيد للفقراء والأغنياء على حد سواء.
وقد يستغرب بعض الناس هذه الزكاة لقلتها لأنهم ألفوا النعم وإلقاءها في القمائم .. ونسوا حديث عائشة رضي الله عنها " ما شبع آل محمد من طعام البر ثلاث ليال تباعا حتى قبض " وفي رواية لعروة عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقول: " والله يا ابن أختي إن كنا لننظر إلى الهلال ثم ثلاثة أهلة في شهرين وما أوقد في أبيات رسول الله نار ، قلت : يا خالة ، فما كان يعيشكم ؟ ، قالت : " الأسودان التمر ، والماء " متفق عليهما .
وقد نسي هؤلاء حالة أجدادهم كانوا أعداء فألف الله بين قلوبهم تحت قيادة الملك عبد العزيز - رحمه الله - فأصبحوا بنعمة الله إخوانا وكانوا فقراء فأغناهم الله من فضله تحت حكم آل سعود وفقنا الله وإياهم لما يحبه ويرضاه .
وقد آن الأوان للشروع في المقصود من البحث وهو " زكاة الفطر " تعريفها وحكمها ، ومن تجب عليه ، والمستحقون لها ومقدارها ونوعها ووقت وجوبها ومكان دفعها ووقت أدائها وقد بذلت جهدي في تحري الصواب بدليله ، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها ، والله اسأل أن يجعل أعمالنا كلها صالحة ولوجه خالصة ولا يجعل لأحد فيها شيئاً . فأقول وبالله التوفيق :
تعريف زكاة الفطر :
" هي زكاة البدن والنفس الواجبة بسبب الفطر من صوم رمضان " .
وأضيفت إلى الفطر لأنها تجب بالفطر من رمضان وأتفقوا على أنها زكاة بدن لا زكاة مال .
حكم زكاة الفطر :
حكمها الوجوب ، فقد ثبتت فرضيتها بالسنة والإجماع .
أما السنة : فحديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال : " فرض رسول الله صلى عليه وسلم زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاُ من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة ".
ومعنى قوله " فرض " أي ألزم وأوجب . ويؤيده قوله في الرواية الأخرى " إن رسول الله أمر بزكاة الفطر صاع من تمر أو صاع من شعير " .
والأصل في الأمر الوجوب ، ولا يصرف عنه إلا بقرينة ، ولا قرينة هنا تصرف عن أصله ، وكما هو معلوم أن ما فرض رسول الله أو أمر به فله حكم ما فرضه الله أو أمر به ، وما أوجبه رسول الله فعن الله أوجبه ، وقد فرض الله طاعته وحذر من مخالفته ففرض الله وفرض رسوله سواء ، والقول بوجوب زكاة الفطر أتباع لسبيل المؤمنين وأتباع سبيلهم واجب .
قال الله تعالى : ( وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً ) ، وقال جل وعلا : ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) وقال جل شأنه : ( مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ) .
وأما الإجماع : فقد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على أن صدقة الفطر فرض نقل ذلك العلامة موفق الدين بن قدامة في المغني عن ابن المنذر وإسحاق [10]ونقله الحافظ ابن حجر في فتح الباري عن ابن المنذر وغيره . ثم قال : ولكن الحنفية قالوا بالوجوب دون الفرض على قاعدتهم في التفرقة .
وقال الحافظ ابن عبد البر في التمهيد ، قال أبو جعفر : أجمع العلماء لا اختلاف بينهم أن النبي أمر بصدقة الفطر وقال جل أهل العلم هي فرض لم ينسخها شيء أ هـ .
وقال النووي في شرحه لصحيح مسلم : فزكاة الفطر فرض واجب عندهم لدخلولها في عموم قوله تعالى : ( وَآتُوا الزَّكَاةَ ) ، ولقوله في الحديث : " فرض " وهو غالب في استعمال الشرع ..
وقال العلامة النووي رحمه الله : والصواب أنها فرض واجب . أ هـ .
وقال الحافظ ابن عبدالبر - رحمه الله - : والذي أذهب إليه أن لا يزال قوله : " فرض " على معنى الإيجاب .ا هـ .
وقال العلامة ابن قدامه رحمه الله والصحيح أنها فرض لأن الفرض إن كان هو الواجب فهي واجبه ، وإن كان الواجب المتأكد فهي متأكدة مجمع عليها . ا هـ .
وقال الوزير ابن هبيرة في الافصاح " واتفقوا على وجوب زكاة الفطر على الأحرار المسلمين " .
وقال ابن المنذر في الإجماع " وأجمعوا على أن صدقة الفطر فرض " أ . هـ
وبهذا يتبين لنا أن زكاة الفطر فرض واجب على كل مسلم أن يؤديه إن استطاع فلا يلتفت إلى من قال بخلاف ذلك .
من تجب عليه زكاة الفطر :
تجب على جميع المسلمين من الرجال والنساء المقيمين والمسافرين كبيرهم وصغيرهم أحرارهم وعبيدهم غنيهم وفقيرهم إذا كان عنده من القوت ما يكفيه يوم العيد وليلته فإن لم يفضل إلا أقل من صاع أخرجه ، ولا فرق في ذلك بين الأعراب من أهل البادية وغيرهم ، وتجب أيضا على اليتيم فيخرجها وليه عنه من ماله .
ويجب إخراجها عن نفسه وعمن تلزمه مؤونته من زوجة أو قريب إذا لم يستطيعوا إخراجها عن أنفسهم ، فإن استطاعوا إخراجها فالأولى والأفضل أن يخرجوها عن أنفسهم لأنهم المخاطبون بها أصلاً .
ولا يمنعها الدين لأنها ليست واجبة في المال ، لكن إذا طالب صاحب الدين بحقه وجب تقديمه فإن فضل شيء بعد ذلك أخرجه .
ولا تجب عن الحمل الذي في البطن ، لكن يسن إخراجها عنه والدليل على وجوبها على جميع المسلمين حديث ابن عمر في الصحيحين وفيه " .. على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين " .
والدليل على عدم وجوبها على الحمل الذي في البطن الإجماع على ذلك نقله ابن المنذر والدليل على استحباب إخراجها عن الحمل فعل عثمان رضي الله عنه حيث كان يخرجها عنه وقد أمرنا باتباع سنة الخلفاء الراشدين وعثمان رضي الله عنه ثالث الخلفاء الراشدين .
فيمن تصرف له :
اتفقوا على أنها تصرف لفقراء المسلمين. وقال فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين : المستحقون لزكاة الفطر هم الفقراء ومن عليهم ديون لايستطيعون الوفاء بها .
مقدار زكاة الفطر :
مقدارها صاع بصاع النبي عن كل نفس ، فإن زاد على ذلك صدقة فله أجر أكثر . وصاع النبي يساوي أربعة أمداد وهي أربع حفنات بكفي الرجل المعتدل الخلقة وبالوزن يبلغ صاع النبي كيلوين وأربعين غراماً .
فإذا أردت يا أخي المسلم أن تعرف ذلك فزن كيلوين وأربعين غراما من البر الجيد وضعها في إناء بقدرها بحيث تملؤه ثم استعمله في كيل زكاتك والله أسأل أن يتقبل منا ومنك .
نوع زكاة الفطر :
نوعها كل طعام للآدميين سواء كان من تمر أو بر أو أرز أو أقط أو غيرها من طعام الآدميين ، والدليل ما رواه الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : " إن رسول الله فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعا من تمر أو صاعاً من شعير " ، ويدل على ذلك أيضا ما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنها قال : " كنا نخرج في عهد النبي يوم الفطرصاعاً من طعام - قال أبو سعيد وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر " .
لا يجزئ إخراج طعام البهائم لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال " طعمة للمساكين " ولم يقل " طعمة للبهائم " .
ولا يجزئ إخراجها من الثياب والفرش والأواني ونحوها مما سوي طعام الآدميين لأن النبي فرضها من الطعام فلا تتعداه إلى غيره .
ولا يجزئ إخراج طعام به عيب كالمسوس والمبلول والقديم الذي تغير طعمه لعموم قوله سبحانه وتعالى : ( وَلاَ تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُوا فِيهِ ) .
ولا يجزئ إخراج قيمة الطعام . وبه قال الأثمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله .
وقت وجوب زكاة الفطر :
وقت وجوبها : هو غروب الشمس ليلة العيد لقوله في رواية ابن عمر :
" زكاة الفطر من رمضان " ففي هذا الحديث إشارة إلى أن وقتها غروب الشمس ليلة الفطر لأنه وقت الفطر من رمضان ، فمن كان من أهل الوجوب قبل غروب الشمس ليلة العيد فتجب عليه وإلا فلا .
قال الشافعي رحمه الله : لا تجب حتى يدرك جزءاً من آخر نهار رمضان وجزءاً من ليلة الفطر.
ويترتب على وقت الوجوب مسائل فقهية كثيرة منها : لو مات شخص قبل غروب الشمس ليلة العيد ولو بدقائق فلا تجب عليه زكاة الفطر لأنه مات قبل وقت الوجوب بخلاف ما لو مات بعد غروب الشمس ولو بدقائق فتجب في تركته .
ومنها : لو ولد لشخص مولود قبل الغروب ليلة العيد ولو بدقائق فتجب على وليه فطرته بخلاف ما لو ولد المولود بعد غروب الشمس ليلة العيد فلا تجب لكنها تستحب كما أسلفنا .
مكان دفعها :
تدفع إلى فقراء المكان الذي هو فيه وقت الإخراج سواء كان محل إقامته أو غيره من بلاد المسلمين ، فإن كان في بلد ليس فيه من يدفع إليه ، أو كان لا يعرف المستحقين فيه وكل من يدفعها عنه في مكان فيه مستحق .
وقد أفتى العلامة سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم الذي سأله عن جواز إخراج زكاة الفطر من قبل أهله الذين في المملكة والسائل في أمريكا لعدم وجود المستحق لها " بأنه يجوز ، إذا أخبر أهله الذين في المملكة وأخرجوها بالنية عنه " .
وقت أدائها :
لها وقتان ، وقت فضيلة ، ووقت جواز . أما وقت الفضيلة : فهو صباح العيد قبل الصلاة .
والدليل حديث ابن عمر : " أن النبي أمر بزكاة الفطر قبل خروج الناس إلى الصلاة " وفي رواية : " أمر بزكاة الفطر أن يؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة "
وقال الإمام مالك - رحمه الله - : رأيت أهل العلم يستحبون أن يخرجوا زكاة الفطر إذا طلع الفجر من يوم الفطر قبل أن يغدو إلى المصلي .
وقال ابن عيينة في تفسيره عن عمرو بن دينار وعكرمة: " يقدم الرجل زكاته يوم الفطر بين يدي صلاته فإن الله تعالى يقول : ( قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ) .
وقد قال سعيد بن المسيب وعمر بن عبدالعزيز - رحمهما الله - أن هذه الآية نزلت في زكاة الفطر . وأما وقت الجواز : فهو قبل العيد بيوم أو يومين .
والدليل ما رواه البخاري عن نافع أنه قال : " وكان ابن عمر رضي الله عنهما يعطيها الذين يقبلونها وكانوا يعطون قبل العيد بيوم أو يومين " .
ولا يجوز تأخيرها عن صلاة العيد ، فإن أخرها ، فلا يخلو إما أن يؤخرها بلا عذر أو يؤخرها بعذر ، فإن أخرها عمداً بلا عذر لم تقبل وحرام عليه تأخيرها وهو آثم ويقضيها ولا تسقط بخروج الوقت ، وتكون صدقة من الصدقات .
ويجب عليه أن يتوب إلى الله والدليل حديث ابن عباس رضي الله عنهما : " فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات " رواه أبو داود وابن ماجه وغيرهما .
وأما إذا أخرها لعذر مثل : أن يصادفه العيد وهو في البر وليس عنده ما يدفع إليه أو يأتي خبر ثبوت العيد مفاجئا بحيث لا يتمكن من إخراجها قبل الصلاة ، أو يكون معتمدا على الله ثم على شخص في إخراجها فنيسي ذلك الشخص أن يخرجها فلا بأس والحالة هذه أن يخرجها ولو بعد العيد لأنه معذور .
وإن نواها لشخص ولم يصادفه وقت الإخراج فإنه يدفعها إلى مستحق آخر ولا يؤخرها عن وقتها لأن الواجب أن تصل إلى مستحقها أو كيله في وقتها قبل الصلاة .
ويجوز توزيع الفطرة على أكثر من فقير كما يجوز دفع من الفطر إلى مسكين واحد لأن النبي قدر الواجب ولم يقدر من يدفع إليه .
ويجوز للفقير إذا أخذ الفطرة من شخص أن يدفعها عن نفسه أو عن أحد من عائلته لكن يتأكد من كيلها ، ولا ينبغي أن يدفعها إلى من أخذها منه والله أعلم .
عائض بن فدغوش الحارثي
لمصدر : ياله من دين