الرسالة الخامسة: سبعة أهداف لتبادل الأفكار والمشاعر
أبني العزيز،
سمعت في غرفة الاستشارات نساء يشكين أشياء كثيرة، في طليعتها الإخفاق في تبادل الأفكار والمشاعر مع أزواجهن.
وقد بدأت منذ مدة أجمع ما أسميته "أقوال الزوجات الموحشات"،
وإليك ثلاثة من أفضل أمثلتها:
- "هل سمعت بأبي الهول؟ إنه زوجي!"
- "كل ما أراه من زوجي أثناء طعام الفطور، يداً تتلمس طريقها إلى فنجان القهوة من وراء صحيفة الصباح!".
- "صدقني، في استطاعة زوجي أن يمضي أياماً من دون أن يتفوه بكلمة واحدة! ولكي أكون صادقة تماماً، إنه يتفوه بها أحياناً مرتين ليضفي عليها معنى مختلفاً، فيصبح مجموع كلماته: "أف!" و"أف!! أف !!!".
هؤلاء النسوة يقصدن أن الحياة تصبح مقيتة حقاً مع زوج لا يرغب في الكلام. صحيح أن بعض الأزواج لا يصمت أبداً، ولكني، مقابل كل واحد منهم، أعرف العشرات ممن يخطئون في صمتهم.
والغابة التي أصبو إليها هي أنه يجدر ألا تعامل المرأة بهذه الطريقة، لأن الزوجة إن لم تكن بلهاء فهي تريد أن تعرف ما يدور في خاطر محبوبها.
من المهم جداً، بالنسبة إلى الرجل، أن يواجه أمراً كهذا، لأن دوره خارج البيت يدفعه غالباً في الاتجاه المعاكس. وكل عامل يعرف أن سر نجاحه يكمن بعضه في قوله لرب العمل: "أنا تحت أمرك، يا سيدي!" بينما يشعر في قرارة نفسه بأنه كان يتمنى أن يقول له: "تباً لك من عجوز خليع!".
معظم الرجال يرتضون قولاً كهذا في سبيل تحصيل لقمة العيش.
وفي نظر الأطباء النفسانيين، هذا التقنع، والعيش وراء مظهر كاذب، والكبت الحقيقي للشعور، ليس سوى انتحار بطيء ما لم يجد له متنفساً ما.
وبناءً على ذلك، يتخذ تبادل الأفكار والمشاعر في الزواج أهمية خاصة، ويصبح إلى حد ما، ضرباً من الضمان للحياة. إلا أن ثمنه ليس بخساً.
فهو يتطلب تخطيطاً دقيقاً، ووقتاً خاصاً في برنامجك اليومي. إن معظم المتزوجين لن يصدقوا أن "التحدث" هو من أبسط المسرات التي قد تضيع في خضم الانهماكات المختلفة، كرعاية الأولاد، والعمل، والواجبات الاجتماعية، واجتماعات هذه اللجنة أو تلك، والتلفزيون، وألعاب الكرة، والحوادث الطارئة... فضلاً عن العشرات والمئات والألوف من العوامل التي تهدد فن تبادل الأفكار والمشاعر تهديداً خطيراً.
في إرشاداتي، السابقة للزواج، دائماً أسأل العاشقين الشبان عن مدى قدرتهم على تبادل الكلام، فيجيبوني جميعهم بلا استثناء تقريباً: "هذه ميزة من أقوى ميزاتنا"...
ولكنهم يأتونني بعد بضع سنوات بهذه الشكوى: "إنه لا يرغب في الكلام!"، "زوجتي لا تفتح فمها!"، وما سوى ذلك من الشكاوى، مما يدل على أنهم، فقدوا تلك "الدردشات" الطويلة التي طالما أحبوها واعتبروها نعمة من نعم الله عليهم.
أنت زوج شاب حكيم إذا عزمت على ألا يحدث ذلك تحت سقف بيتك.
أمك وأنا، في الأشهر الأولى لزواجنا، اجتزنا زمناً عسيراً قبل أن يكشف الواحد منا عن نفسه للآخر. أدهشنا أننا لم نلحظ أن تحفظات كثيرة قد تلاشت بيننا بعدما كانت مكبوتة في أعماقنا إبان عهد المغازلة. فإن تلاشت فهذا لا يعني أنها لم تكن موجودة فعلاً.
وعندما واجهنا المشكلة معاً، أتضح لنا أن تكتمنا لن يجدي فتيلاً، فقررنا ذات يوم أن نواجهها برباطة جأش. واتفقنا على أن نتبادل الأفكار والمشاعر لنرى هل نستطيع المضي في ذلك حتى النهاية.
وحين درسنا هذا، معاً، درساً كافياً، اهتدينا إلى حقيقة، وهي أن بعضاً من أسباب ترددنا قد زال تماماً. (هذا اكتشاف عظيم تم عرضاً. فعندما تواجه الحقيقة، وهي أنه لم تعد فيك حاجة إلى التقيد بماضيك، تكون قد وثبت وثبة كبيرة إلى أمام). وهكذا تعهد كل منا بأن يحاول الكشف عن ذاته شيئاً فشيئاً، طبقاً لقواعد محددة ربما كان تأثيرها ايجابياً.
وهكذا، انتهينا إلى ميثاق بسيط أعرضه هنا وآمل أن يفيدك. وسوف تدرك أن هذا الميثاق لم يكن مكتوباً، بل كان أشبه شيء باتفاق شفوي سأسرد بنوده عليك بالتسلسل كما كتبناها على صفحات قلبينا.
أهدافنا السبعة لتبادل الأفكار والمشاعر:
1) سنسعى إلى أن نكون "أفضل صديقين". وبما أن الصداقة يبنيها الوقت الذي نمضيه معاً، فسيكون بيننا في كل يوم حديث حلو. وسننظم برنامجنا على هذا الأساس، ونضعه في رأس جدول أعمالنا اليومية.
2) سنخرج معاً مرة في الأسبوع على الأقل. نفيد من عشاء خارج البيت، أو غداء، أو أي شيء آخر لكي يقرأ كل منا ما يجول في خاطر الآخر. ولن ندع الأولاد، ولا الأصحاب، ولا ميزانية البيت، ولا اجتماعات اللجان، ولا طغيان "ما يجب" و"ما لا يجب"، أن يشغلنا عن هذا الوقت المخصص لنا.
3) سنجعل الصدق هدفنا الدائم. وبما أن ذلك يتطلب أن يكون كلانا صادقاً مع نفسه أولاً، فسنمضي بعض الوقت في تحليل الذات تحليلاً سليماً. ونسعى، عن طريق الإطلاع والدراسة والنقاش، إلى معرفة ما لأمورنا الشخصية من تأثيرٍ على زواجنا.
4) سنحدد فترة مثالية. مدتها ثمان وأربعون ساعة لتحليل ذاتي أمين. ولما كان من غير المستطاع تحديد وقت نهائي لذلك، فقد اتفقنا على الاستمرار في المحاولة ما دمنا لا نستطيع التعبير عن شعورنا بالكلام. وسنسلم بأننا لا نزال في صراع داخلي ونلتمس المزيد من الصبر.
5) سيكون هدفنا التوصل إلى الرأفة والغفران بصورة كاملة. قد نطرح الأسئلة ولكننا لا ندين. وسنسعى إلى شجاعة روحية متبادلة بحيث يسمع الاعتراف بحنان. وسنكون شاكرين عندما يتاح لنا أن نواجه حقيقة ذاتنا.
6) سيحترم كل منا خصوصيات الآخر. فلا نعطل تبادل الأفكار والمشاعر بيننا في الإفراط في التحقيقات الفضولية. ومع إدراكنا أن ما نخبئه ربما كان ضاراً، فلن يدع أحدنا للآخر سبيلاً إلى هدم ذاته. ولن نلجأ يوماً إلى الضغط، لأن الكشف عن الذات يجب أن ينبع من داخل.
7) سنتذكر أن السرية نعمة. وسنعمد إلى الرفق، لأن سد جميع الثغرات بيننا بوثيق الصلة يستغرق الحياة بطولها. وسنحب ما أعطي لنا اليوم، منتظرين ما سيحمله الغد بمنتهى الأمل.
إن تسميتنا هذه البنود أهدافاً جاءت بديهية.
فبعد تلك الوثبة إلى أمام، يستمر التقدم على درب النعيم بطيئاً. فالإفساح في المجال لشخصٍٍ ما، لكي يلج قلبك، قد يكون أمراً بغيضاً بالنسبة إليك. بل قد يكون مروعاً أحياناً، لأنه يكشف عن أشياء حميمة كامنة فيك.
من هنا ميلنا إلى المقاومة، وهي التفسير النفساني لهربنا بسرعة وصفق الباب وراءنا قائلين: "لننس الأمر كله".
لذا، قليلون هم الذين يتحلون بالصفات المطلوبة للوصول إلى الشفافية الأصيلة.
ولكنك أنت قادر على ذلك. لوح بيد محبة، تبلغ تلك المستويات الرفيعة التي يبلغها عادةً الغائصون معاً في الأعماق.
لقد عرفت أكثر من دزينة من المتزوجين القدامى السعداء، الذين بلغوا ذكرى زواجهم الخمسين، وعرفت ثلاثة بلغوا الذكرى الستين. وهم ينتمون إلى طبقات اجتماعية مختلفة، وإلى وظائف متباينة، وإلى مستويات فكرية متنوعة. لكن شيئاً واحداً كان مشتركاً بينهم، وهو أن ذلك الزوج وتلك المرأة إلى جانبه، تعلما أن يشارك أحدهما الآخر في ذاته بعشرة سعيدة حقاً.
العشرة، كلمة عظيمة، تزداد أهمية مع كر السنين. فالرغبات الجنسية قد تتلاشى، والحاجة إلى الإثارة قد تنقص، وهموم المال وانشغال البال قد تتضاءل بيد أن هناك شيئاً واحداً يجب أن يبقى على ازدياد مطرد، ألا وهو الانفتاح التدريجي بين قلبين، من صميمه يرحب كل منهما بالآخر.
إن إظهار ذاتك الحقيقية هو السر في حياة مديدة وسلامة داخلية ومشاركة كاملة.
واظب على المحادثة
والدك
من كتاب "رسائل إلى فيليب" تأليف "شارلي د.شيد" نقلها إلى العربية الخوري نبيل الحاج