معلومات
العضو | | | إحصائية
العضو | | |
| الجنتين  | |  | | 
منح الله أحد الرجال مالاً وفيراً وأرضاً شاسعة تَجود بالخيرات ,
وكان لهذا الرجل ولدان تختلف طباعُهما , وتتباين آراؤهما ,
فالأول كريم يحب الفقراء والمساكين , ويساعدهم كلما استطاع إلى ذلك
سبيلاً , والثاني متعال لا يساعد فقيرا أو محتاجاً , ويسخر من إقبال
أخيه على المساكين والفقراء . 
شبَ الولدان , وبلغا مبلغ الرجال وهما إلى جانب أبيهما يُساعدانه في
إدارة الأعمال وجني الأرباح التي كانت تُغلها الأرض وغيرها من أملاك
أبيهما , وتمر الأيام , وتتوالى السنين , فتزداد ثروة الأب , وتصبح
الأرض بساتين تَجود بكل أنواع الثمار والخيرات , ويتقدم العمر بالأب ,
ثم يمرض ويموت مخلفاً لهذين الأخوين كل ما جناه في حياته الطويلة ,
فيتقاسمان الميراث , ويستقل كل واحد عن الآخر , وينفرد بتدبير أمره . 
ولم يكن بُدٌ من أن يترك اختلافهما في الطباع والآراء آثاراً واضحة قوية
في تصرفات كل منهما , فقد كان الأول يشعر بما يشعر به الفقير
والمعدوم , أما الثاني فكان في كل يوم تُشرق عليه الشمس يَشتدُّ حرصاً
على المال , وطمعاً في زيادته . 
أَخذ الأول نصيبه من مال أبيه , فراح يبحث عن الفقراء والمساكين
ليعطيهم مما أعطاه الله وأن الله أعطاه هذا المال ليمتحنه فيه
ويختبره , وعلى هذا النحو الذي ليس فيه تكلف أو تظاهرٌ مضى هذا الأخ
في سيرته يُعينُ المحتاج , ويعطي المحروم ويفك الأسير حتى لم يبق له
من أمواله إلا ما يسدُّ حاجاته وحاجات أهل بيته . 
أما أخوه فقد كان مُسرفاً في حب المال , والسعي وراء تكديسه , يسمع
أنَّات المحرومين وأصوات الجائعين والمحتاجين فيتجاهلهما , ولا يَحفلُ
بها , فتكدست الأموال , وهو بها فرح , وازداد بطراً وتكبراً على
الناس .
وكي يأخذه البطر والغرور بما هو فيه , انهالت عليه الأموال , فكدسها
في خزائنه , ورزق أولاداً كثيرين زادوه غروراً وتكبراً , وماكان هذا
النعيم الذي غرق فيه ليغير شيئاً من طباعه , كانت معظم أموال هذا
الأخ وثروته , تتدفق عليه من بساتين عظيمين , ومن بساتين الكروم ,
وقد جاد البستانان وما فيهما من زروعٍ بكل أنواع الثمر والفواكه__
{{ واضرب لهم مثلاً رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما
بنخيل وجعلنا بينهما زرعاً * كلتا الجنتين آتت أُكلها ولم تظلم منه
شيئاً وفجرنا خلالهما نهراً }}__ 
وأراد هذا الأخ المتكبر أن يسخر من أخيه , فأخذه من يده , وأدخله
إلى بستانه الذي ينصفه النهر , ونفسه تُنكر أن تبيد جنته لطول أمله
وتمادي غفلته , فيقينه بالله مزعزع غير راسخ , وقال لأخيه إن هذه
الجنة لن تهلك ولن تفنى ولن تتلف __{{ ودخل جنته وهو ظالم لنفسه
قال ما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيراً منها
منقلباً }}__ 
سمع أخوه المؤمن هذا الكلام , فوعظه : وقال له الله خلقك من نطفة
وعدلك وكملك إنساناً ذكراً بالغاً مبلغ الرجال__{{ قال له صاحبه وهو
يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلاً }}__
فإذا كنت كافراً بالله فإنني مؤمن موحد__{{ لكنا هو الله ربي ولا أشرك
بربي أحداً }}__
ولأنك كفرت بنعمة الله , ولم تشكرها , التي اعتقدت أنها لا تبيد ولا
تفنى , قادر على أن يذهب ماء جنتك , ويجعله غائراً في الأرض فيفنى
بستناك__{{ ولو لا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترنِ
أنا أقل منك مالاً وولداً , فعسى ربي أن يؤتيني خيراً من جنتك ويرسل
عليها حسباناً من السماء فتصبح صعيداً زلقاً , أو يصبح ماؤها غوراً فلن
نستطيع له طلباً }}__أسرف هذا الأخ في البخل وازدراء نعمة الله , وأسرف
في إيثار نفسه وأولاده على كل شيء ,
وهذه الجنة التي كانت مَضرِبَ المثل في عظمتها وازدهارها , هذه الجنة
التي حرم الفقراء والمحتاجون من خيراتها ومالها , قد خوت من على
عروشها محطمة مهشمة , وأصاب الهلاك كل ثمرها فلم يسلم منها شيء ,
وراح صاحبها يضرب إحدى كفيه على الأخرى ندماً وتحسراً على الأموال التي
أنفقها عليها , وتذكر نصح أخيه__{وأحيط بثمره فأصبح يُقلب كفيه على
ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول يا ليتني لم أشرك بربي
أحداً , ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وماكان منتصراً , هنالك
الولاية لله الحق هو خيرٌ ثواباً وخير عقباً } 
من قصص القرآن
{ لخليل توفيق موسى } | |  | |  |
|